قصص من كارثة شنكال ….. (71)
الباحث/ داود مراد ختاري
رافقنا ذئب في الطريق لمدة ساعتين.
تحدث الناجي من أيدي الدواعش (ن. خ. ح 1989) قائلاً:
في يوم 3-8-2014 كنا مجموعة من الإخوة في المزرعة وآخرين هم خارج المجمع ، اراد الوالد ان نتجمع في البيت لغرض النجاة من الكارثة ، تأخرنا الى عصر اليوم، جاء الى المجمع المدعو (نشمي) ابن شقيق (محمد العسل) وقال: ما عليكم الا رفع الرايات البيضاء فوق السطوح ولا يتعرضلكم أحدٌ لكون هذا الشخص عربي وقريته قريبة منا وله صلة الكرافة والمعارف في المجمع، فعلنا ذلك، وفي الساعة الخامسة جاءت قوة داعشية الى أمام دارنا وترجلوا وكانوا أكثرهم من الاجانب، مستفسراً من الوالد لماذا الناس يهربون الى الجبل ؟
فقال لهم الوالد : نحن الايزيدية نخاف منكم، فرد قائلاً: لا تخافون واعلم الذين في الجبل لهم كل الامان لينزلوا ويدخلوا الى الديانة الإسلامية، فرد عليه الوالد: أنا رجل بسيط ولدينا مرجعيات عشائرية ودينية هم الذين يتبنون هذه الاوامر، ومع ذلك سأخبرهم، وقال الداعشي: لكم الامان الى يوم غد.
في هذه اللحظات أراد الوالد التخلص منهم كي نذهب الى الجبل أيضاً، وبعد ربع ساعة تهيئنا للخروج جاءت قوة أخرى طلبوا منا الاسلحة والاموال والذهب وبعدها أمرنا أن نسير وراءهم الى معسكر خانصور، وهناك رأينا بانهم قد جمعوا أعداد هائلة من الناس، وفي الليل توجهنا نحو سوريا وكان العدد الكلي (316) شخصاً وأنزلونا في مدرسة وطلب من الجميع الدخول الى الديانة الإسلامية أو القتل، تشاور الجميع واتفق الكل على تطبيق أوامرهم خوفاً على الارواح، في هذه الاثناء ولدت إحدى النساء الحوامل ولداً.
بقينا ثمانية أيام بمعزل الرجال عن النساء، وبعدها عزلوا جميع الفتيات وأخذوهن الى الموصل ، وارسال مجموعة من الشباب الى تل بنات، وبقية العوائل الى القيارة بقينا (45) يوماً ثم عدنا الى قرية كوجو فعادوا الشباب أيضاً من تل بنات الى قرية كوجو وبقينا شهرين في كوجو.
هناك العديد من المقابر الجماعية في كوجو ولم يتم دفنهم بشكل صحيح فالكلاب تنبش وتخرج الاشلاء، وفي أحد المرات رأيت جمجمة في فم كلب أردت أن أخذها وأدفنها لكن الحارس الداعشي منعني وقال: هذه الجمجمة لكافر رفض الدخول الى الاسلام فليلعب الكلب بجمجمته كيف يشاء، وأضاف قائلاً: نحن مقاتلي الدولة الاسلامية قمنا بإبادة هذه القرية عن بكرة أبيها (( سويناهم طاوة)) وأخذنا النساء لمقاتلينا، وفي المدرسة هناك مقبرة، وبجانبها كان شخصا مدفون لكنه كان واضحا (متوسط القامة وسترته قهوائية اللون) يعتقد انه رئيس العشيرة أحمد جاسو، وفي أحد الليالي قمنا أنا وزميل لي بدفنه بصورة صحيحة في نفس المكان.
وجاء الينا المغني (دخيل كتي) في أحد الأبام وقد أصبح أميراً وقال لنا (انا أيضاً كنت ايزيدياً والان انا مسلم، وما عليكم الا ان تلتزموا بأوقات صلاتكم كي تدخلون الى الجنة) لان ابناء الديانة الايزيدية لا يدخلونها فهي مخصصة للمسلمين فقط، وبقية الاديان هم في النار، وقال الشباب الذين جاءوا من تل بنات ، كان دخيل يتواجد هناك ويغني لنا.
ثم حولونا الى تلعفر بعد عزل الفتيات المتبقيات والنساء ذوات الاعمار الصغيرة، وهناك جاء الينا (خالد سعيد الحرداني) وهو يحمل لقب الأمير أيضاً قد أطلق لحيته وقص شواربه ولبس لبس الافغاني وتزوج من إمرأة متزوجة ولديها أطفال وقال أيضاً: جماعة حردان (( سويناهم طاوة)) .
حولونا الى قرية (قزل قيو) التركمانية الشيعية بعدها مكثنا لفترة هناك أرادوا منا التجمع لنقلنا الى جهة أخرى، لذا أختبأنا أنا وزوجتي مع شقيقي وابنته وبعض الناس من أهل حردان من التجمع، وبعدها خرجت مع زوجتي من القرية هارباً وكان الجو ممطراً فوصلنا الى مطار تلعفر لم نستطع السير من الوحل وتبللت ملابسنا، أختبأنا في إحدى غرف المطار الى المساء الآخر وبعدها توجهنا نحو شنكال ولم نكن نحمل اية طعام سوى ثلاث ارغفة من الخبز وتبللت كثيراً واصبحن كالعجينٍ فتركناها فوق صخرة على الطريق وعند بزوغ الفجر وصلنا الى غرفة لمرشة زراعية ، اهلكنا الجوع بحثنا في الغرفة عن الخبز او اية طعام لكننا لم نعثر الا على الملح ، فقالت زوجتي وهي ممرضة سنتناول الملح بكثرة فهو يعادل وجبتي طعام فخلطنا الملح بالماء (مثل المغذي) وكان الجو ممطراً (يتوفر الماء حينما نعطش) أكلنا الحشيش في الطريق في اليوم الثالث فتقيأت زوجتي وتسممت فدخلنا الى قاعة للدواجن في قرية (سينو)، جاء الدواعش في الصباح الى الباب ووقفوا بضعة دقائق وشربوا الماء من ماء البرادة لكنهم لم يدخلوا الى غرفة الحرس التي كنا فيها وكنا نراهم من الشباك، ومعاطفهم معلقة في داخل الغرفة أيضاً ، كان الجو بارداً تغطينا ببطانياتهم وعند الخروج ليلاً لبسنا كل واحد منا معطفاً لحراس الدواعش وواصلنا سيرنا الى الجبل ، وصلنا الى قرية (كولا) وقد اعتقدنا اننا وصلنا الى مزار شرف الدين، فطرقنا باب أحد الدور ولم يفتح لنا ، كانت مجموعة تحمل مصباح نادينا عليهم لكنهم واصلوا سيرهم ولم يردوا علينا، ثم طرقنا باباً آخر ففتح لنا رجل الباب فسألناه باللغة الكردية: هذه هي منطقة مزار شرف الدين ؟ فرد علينا باللغة العربية : هذه قرية (كولا) وتحت سيطرة الدولة الاسلامية ، طلبنا منه ان يتم ايواءنا الى المساء لان الشمس ستبزغ بعد ساعتين فرد قائلاً: لا أستطيع ايواءكم خوفاً من جارنا الذي ينتمي الى تنظيم الدولة الاسلامية، وارشدنا الى طريق معمل السمنت، وفي الطريق صادفنا ذئب حاولنا التخلص منه لكنه رافقنا في الطريق لمدة ساعتين الا ان وصلنا بالقرب من المعمل، تعبت زوجتي فنامت لبضعة دقائق وهنا فارقنا الذئب، وبعدها أردنا دخول معمل السمنت لكننا لا نعلم هل يتواجد الدواعش فيه أم لا ؟
واصلنا السير فأقتربنا من الجبل رأينا شخصاً يتجه صوبنا وحينما اقتربنا منه ناديت عليه ، فقال: تعالوا لا تخافوا أنا ايزيدي من الجبل جئت كي اساعدكم ، وتبين أن والده قد رآنا عبر الناظور وأدرك بأننا أسرى قادمون الى الجبل فأمر ابنه باستقبالنا ومساعدتنا.
كنا نسير ليلاً ونختبأ نهاراً ولمدة خمسة أيام الى أن وصلنا الى الجبل يوم27-12-2014،
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية