أكتوبر 14, 2019

Lalish Media Network

صحيفة إلكترونية يومية تصدر باشراف الهيئة العليا لمركز لالش الثقافي والاجتماعي في دهوك - كوردستان العراق

مختطفة ايزيدية: حبلتُ وأنا في الثانية عشرة من العمر

سبايا الخلافة… حبلت وأنا في الثانية عشرة من العمر

رووداو – دهوك/ لا تدرك حتى الآن المعنى الحقيقي لإدارة شؤون البيت والعائلة. فكيف للجالسة إلى جانبي أن تحبل قبل أربع سنوات من الآن؟

القصة معقدة ونتيجتها أكثر تعقيداً. فمع أن داعشياً برز لها في خضم نكبتها وارتباكها ليقول لها “سأتخذ منك ابنة لي وأحل محل الأب لك”، لكن حادث سير قضى على حبل الأمان ذاك أيضاً.

مضت من عمر (دلين) خمس سنوات، خمس سنوات كان يفترض أن تكون الأساس لنضجها، لكن لأنها قضت تلك الأعوام في منطقة خاضعة لسلطة داعش، باتت على ما هي عليه الآن. إنها ضحية غلطة مازالت آثارها تهدد العالم.

كانت دلين قد بلغت العاشرة من سني عمرها فقط حين انتشر في آب 2014 في قريتهم (زومان) نبأ وصول مجموعة مسلحين ذوي لحى إلى مشارف القرية. لم يكن عمر دلين يعينها على إدراك كنه ما يجري، لكنها لاحظت التوتر والقلق اللذين أصابا نساء ورجال القرية: “كان كل من تقع عليه عيني ملصقاً هاتفه النقال بأذنه ويتحدث بصوت عال. كذلك كان يفعل أهلي”.

رغم أن مختار القرية طمأن الأهالي إلى أنه لن يحصل شيء، لكن تلك الطمأنة دامت لحين وصول نبأ زحف مسلحي داعش باتجاه القرية ليخيم الخوف والرعب والهلع عليها، وبادر أصحاب السيارات إلى الفرار بسياراتهم من القرية.

في ذلك اليوم، تمكنت عائلة دلين من بلوغ قرية (كورا عبد) حيث تقيم واحدة من عماتها، ليخططوا طريقاً للخلاص، لكن مسلحي داعش كانوا كالإعصار يجتاحون القرى واحدة تلو الأخرى، وبينما كانوا يخططون وصل الدواعش إلى كورا عبد.

تقول دلين: “ألقوا القبض علينا هناك ونقلونا إلى قرية (سيبا شيخ خدر) وعزلوا المسنين عن الشباب، ثم عزلوا الصبية والصبايا الصغار، ليشكلوا ثلاث فئات منهم”.

بعد إبقائهم يومين في سيبا شيخ خدر، قام الدواعش بنقلهم إلى سجن بادوش المعروف، في ضواحي ناحية بادوش، على مسافة 25 كيلومتراً إلى الغرب من مدينة الموصل. كان السجن مخصصاً لسنوات طوال للسجناء السياسيين. سمعت دلين في السجن واحدة من البنات تقول إن أحد أقاربها كان سجيناً هناك لسنوات بسبب انخراطه في العمل السياسي.

“بعد مرور أسبوع، تعرض السجن إلى القصف من الجو، ونقلوا البنات والنساء والأطفال من هناك. نقلوني أنا مع عدد من البنات والصبية إلى تلعفر”.

دار الأطفال

كانت أختها أول من أخذها مسلحو داعش: “بعد أن أخذوا أختي، بقيت أنا مع ثلاث بنات أخريات تتراوح أعمارنا بين تسع وعشر سنوات. اقترب منا شخص وقال لنا أن لا نخاف وسينقلوننا إلى مكان نتعلم فيه كيف نصبح مسلمين جيدين”.

هناك، زودوا دلين والبنات الأخريات بثياب سود تغطي كل الجسم، وعلموهن كيفية أداء الصلاة، وماذا عليهن أن يقلن أثناء الصلاة، وأخبروهن بأن عليهن أن يصمن عندما يحل شهر رمضان.

كانت دلين والبنات يتلقين الدروس في النهار، وفي الليل يبتن في دار تقول دلين إنها كانت ملأى بالبنات: “كان هناك نحو 150 طفلة، أعمارنا كانت بين 7 و8 و9 سنوات، ظننت أول الأمر أنها روضة أطفال. كان مكاناً يجمعون إليه البنات اللواتي يتم فصلهن عن عوائلهن”.

بقيت دلين في تلك الدار شهرين، وتقول إن الأطفال كانوا يؤخذون من الدار باستمرار ولكنه لم يكن يخلو من الأطفال، حيث كان الدواعش يأتون إليه بالمزيد من الأطفال باستمرار. كانوا يأخذون البنات بحجج مختلفة ويأتون ببنات أخريات. تقول دلين: “جاء أحدهم وأخذ صديقتي وطفلة أخرى تبلغ 11 سنة. في تلك الأيام، التقيت أخي للمرة الأولى، كان ضعيفاً جداً وخائر القوى”.

لم يكن عمر دلين والبنات الأخريات يتيح لهن فهم حقيقة ما يجري وما سيحل بهن. كن يصدقن كل ما يقال لهن.

اقترح مسلح يبلغ 25 سنة من العمر أن يبيعوه دلين، ويأخذها معه إلى الموصل. يبدو أنه اشتراها ليتخذ منها جارية له، لكنه فيما بعد عطف على حالها فامتنع عن الاعتداء عليها، إلا أنه باعها في الأخير لمسلح آخر: “بعد أيام قال لي المسلح الثاني: أنت صغيرة جداً. ثم أعادني إلى دار الأطفال الإزيديين”.

لا تستطيع دلين أن تنسى أبداً مشهد قيامهم برسم دائرة حول جثة هامدة لطفلة في العاشرة من العمر، كانت قد انتحرت. كانت تلك المرة الأولى التي ترى فيها شخصاً ميتاً “كانت البنات جميعاً يبكينها وكانت أختها لا تكف عن البكاء بأي شكل.

سأكون لك أباً

مكثت شهرين في دار الأطفال الذين لا ملاذ لهم. كان الدواعش خلال تلك الفترة وعن طريق “التربية الدينية” التي بدأوها قد سيطروا على الأطفال ويأملون انتزاع الإزيدية من قلوبهم وعقولهم، وحل شهر رمضان وصام الأطفال 30 يوماً بالتمام.

في أواخر شهر رمضان، أبلغ خالد، وهو أمير تلك الدار، دلين بأنها لن تبقى هناك و”لقد أعطيناك لـ(أبو عمر)”.

كان أبو عمر طويل القامة ممتلئ الجسم متزوجاً وله أطفال، يتجاوز عمره 50 سنة. عندما رأت دلين أبا عمر، خافت منه كثيراً، لكنه طمأنها وقال إنه ليس ثم ما يدعو للخوف: “أنا لست طامعاً فيك، وستكونين بمثابة ابنة لي، ستعيشين في بيتي مثل أولادي”.

كان لها أب لا تعرف شيئاً عن مصيره، لكنها فرحت للعثور من بين كل أولئك القساة ذوي المظاهر المخيفة من مسلحي داعش، على رجل يعتبرها ابنة له.

تقول دلين: “بقيت في دار أبي عمر فترة، لم أعان فيها أي مشكلة، لم ترحب بي زوجته وأولاده أول الأمر، لكنهم انفتحوا عليّ بالتدريج وأصبحوا لا يفرقون بيني وبينهم”.

مرت سنة على تلك الحياة المستقرة. لكن حياة دلين انقلبت فجأة رأساً على عقب ذات مساء، عندما تلقى بيت أبي عمر نبأ محزناً. لقد مات أبو عمر في حادث سير. ربما تكون دلين من البنات الإزيديات النادرات اللواتي بكين لموت مسلح داعشي، وذلك لأن موت أبي عمر كان يعني أنها ستواجه مصيراً مجهولاً من جديد.

يشتريها أحدهم

بعد انتهاء الحداد على أبي عمر، لم تبق دلين في داره غير شهرين، فقد أسمعتها عائلته نبأ أشد إيلاماً من نبأ موت أبي عمر.

كانت دلين حينها في الثانية عشرة من العمر، عندما باعتها عائلة أبي عمر لمسلح داعشي أخذها من فوره إلى محكمة داعشية مختصة في المسائل الاجتماعية كالزواج والطلاق وغيرهما. تقول دلين: “عقد قرانه علي رسمياً في المحكمة، ثم أخذني إلى بيته وقال إنه سيكرس الأيام الأولى ليلعمني كيف أتعامل معه وكيف أدبر شؤون البيت”.

لكن بعد مرور أيام قليلة، شن الجيش العراقي هجوماً واسع النطاق من عدة محاور على تلعفر، وخلال ساعات، خسر داعش المعركة: “طلب مني أن ألملم نفسي استعداداً للرحيل إلى سوريا، وفي ذلك اليوم انطلقت بنا مجموعة سيارات تابعة لداعش نحو سوريا. كانوا منهارين تماماً ويعتقدون أنهم لن يتمكنوا من استعادة السيطرة على تلك المدينة مرة أخرى”.

بعد أن خسر الدواعش تلعفر، عبروا الحدود إلى سوريا، كان بعضهم غير مستعد للتخلي عن جاريته، مثل الذي أخذ دلين من عائلة أبي عمر. فقد أخذ المسلح دلين معه ووصلوا بعد خمسة أيام إلى الطبقة.

مكثوا هناك أياماً قليلة، ورغم وجود عقد رسمي بينها وبين المسلح، إلا أنه كان يعاملها كجارية له. كان زوجها الداعشي يحب أن تكون عنده سيارته الخاصة، لكنه كان يفتقر إلى المال اللازم لشرائها، لهذا فكر في بيع دلين: “باعني وقبض مبلغاً كبيراً، وكان الشاري مسلحاً أجنبياً ثرياً، كانت عنده ثلاث نساء أخريات، ويبلغ من العمر نحو 40 سنة”.

كان هذا المسلح الأخير أول من اغتصب دلين. كان قد مر أكثر من سنتين على أسرها في الليلة التي ضاجعها فيها ذلك المسلح: “كان قاسي القلب وبلا مشاعر، لم أكن في عمر يؤهلني لتلك العملية، فقد كانت اللواتي في عمري يلعبن في الأزقة”.

لم ير طفلي النور

بعد فترة، شعرت دلين بحالة غريبة، وعندما حدثت النساء الأخريات عن حالتها، أخبرنها بأنها ستصبح أماً. انتابتها مخاوف وقلقت كثيراً بشأن ما سيحصل لها وكيف سيولد ذلك الطفل وكيف ستعود إلى أهلها وهي تحمله.

كان المسلح قد ذهب إلى جبهات القتال منذ ثلاثة أيام عندما تلقت دلين خبر مصرعه. بخلاف ميتة أبي عمر، لم تذرف دلين دمعة واحدة عليه بل فرحت لمصرع شخص أحبلها وهي في تلك السن الصغيرة: “كل ما أذكره هو أنه كان في أواخر 2017 وقد مرت على مصرعه بضع أسابيع، شعرت بألم شديد في صباح أحد الأيام، ثم سقط مني الجنين”.

كان الحصار على داعش يشتد كل يوم، وكان المسلحون يقيمون نقاط تفتيش في كل زقاق وحارة في الطبقة، لكن دلين كانت تفكر في الهروب، كانت تريد أن تنجو مهما كان الثمن، حتى إن كان الثمن حياتها، لكنها لم تكن تعرف بمن تلوذ ولمن تبوح بما في صدرها: “شعرت بأن اثنتين من زوجات ذلك الرجل، رغم كونهما داعشيتين، ترغبان في مغادرة المدينة والنجاة بنفسيهما”.

تشير دلين إلى واحد من قوانين دولة داعش بخصوص المتزوجات، وتقول: “كان داعش يخصص راتباً لكل واحدة تزوجت داعشياً ولها أولاد وقتل زوجها في الحرب، وهي لا تريد الزواج من جديد. علمت أن زوجاته قد خصصت لهن رواتب، أما أنا فلا، لأني كنت جارية عنده”.

انقلب الوضع لدرجة أصبح معها الناس يقرأون بسهولة مستقبل داعش ومصيره، واهتدت دلين مع عدد من النساء إلى شخص واتفقن معه على أن يهربهن إلى مخيم الهول لقاء مبلغ من المال. على أي حال، تمكنت دلين في أواخر 2017 من خلال شخص آخر من الوصول إلى حدود جنوب كوردستان لتعود إلى أحضان أهلها.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Copyright © 2018 by Lalish Media Network .   Developed by Ayman Qaidi.