أكتوبر 22, 2019

Lalish Media Network

صحيفة إلكترونية يومية تصدر باشراف الهيئة العليا لمركز لالش الثقافي والاجتماعي في دهوك - كوردستان العراق

“ماتت فتاة في الحادية عشرة في حضني وهي تنادي أمها”

سبايا الخلافة… “ماتت فتاة في الحادية عشرة في حضني وهي تنادي أمها”

رووداو – دهوك: خلال الأيام الثلاثة التي صحبت فيها (دلفين) رأيت الدموع أكثر من سماعي للكلمات، إنها تدرك الآن كيف أن أياماً قاسية دمرت فترة طفولتها. لم أكن أعلم هل تبكي نفسها أم أباها وخالها وأعمامها أم صديقاتها اللاتي كانت تلاعبهم في شوارع (تل قصب) ولم تعثر بعد آب 2014 إلا على قلة منهن.

أرافق دلفين إلى أطلال البيت الذي حبست فيه نحو سنة، وتستخرج دميتها من بين الأنقاض وتمعن النظر فيها.

كانت في التاسعة من العمر عندما خطفها الدواعش، واتخذوها جارية قبل خمس سنوات من الآن، ليتخذوا منها بضاعة تباع وتشترى مراراً خلال السنوات الخمس تلك.

تأخذني إلى المكان الذي تم فيه إلقاء القبض عليها مع أفراد عائلتها، على الطريق السريع إلى الجنوب من سنجار، وبعد اجتياز السايلو ببعض كيلومترات باتجاه جنوب غرب سنجار، وكما لو أنها لا تصدق أن داعش قد ولى، انتهت من كلامها على عجل وطلبت من السائق أن يسرع بالابتعاد عن تلك المنطقة. حتى أنها لم ترغب في الذهاب إلى مدرستها: “لا أستطيع أن أطلع على تلك المدرسة ولا أجد فيها داليا وحنان ولينا”، هذه الأسماء كانت تتكرر كثيراً في تلك الأيام الثلاثة. أدركت أن دلفين مشتاقة للقاء زميلات الدراسة: “إنهن أحب إلي من أخواتي، كم أتمنى لو ألتقيهن ولو مرة، وأذكرهن بكثير من الأشياء الجميلة بكلمة واحدة وكفى”.

***

عندما انتشر نبأ هجوم داعش في سنجار والقرى المحيطة به، لملمت عائلة دلفين كآلاف العوائل الإزيدية الأخرى نفسها لتلجأ إلى جبل سنجار الذي كان ملاذ الإزيديين في أثناء الفرمانات السابقة.

تقول دلفين: “عندما قالوا إن داعش يخطف الإزيديين، خرجنا مع أمي وجدتي وأخوتي وأخواتي مشياً من تل قصب نحو جبل سنجار، ووصلنا إلى مشارف سنجار، لم يكن قد بقي أمامنا الكثير لبلوغ سفح الجبل عندما أدركنا الدواعش”.

تعتقد دلفين أنهم كانوا سبب وقوع عائلتهم في قبضة داعش: “سمعت أمي تقول لجدتي عدة مرات في الطريق لولا هؤلاء الأطفال الصغار لكنا الآن في الجبل”.

اقترب المسلحون بسرعة وطوقوهم “شاهد خالي الدواعش وهم يحيطون بنا من كل جانب (وتشير إلى المكان الذي أسروا فيه) هناك اقترب منا خالي بسيارته وصاح من بعيد: دعوهم وشأنهم، ماذا تريدون من هؤلاء النساء والأطفال؟ لكن أحد المسلحين صاح: يا حيوان، على من ترفع صوتك؟ ثم أطلق النار على سيارته وفجر إطاراتها وأسروا خالي وأخذوه، ولم نره مرة أخرى”.

عدنا إلى خيمتهم المهترئة في مخيم قريب من دهوك، جلست هناك بجانب أمها وجدتها. لم تكن تعرف شيئاً عن الجنس والجماع عندما هاجمها مسلح داعشي وفض بكارتها. هي الآن في الرابعة عشرة من العمر ومازالت تتصرف كالطفلة التي كانت في التاسعة عندما كانت في تل قصب وتغضب عندما تمس أختها الصغيرة لعبها.

صمتت دلفين لسماع أمها وهي تبكي، وقد لاحظت أمها أن أحد المسلحين يكن نية لإبنتها: “بعد بقائنا فترة في الأسر، عزلوا عنا دلفين وأخذوها”.

أخذوا دلفين إلى بيت في الموصل فيه بنات في نفس عمرها: “حبسونا هناك ثمانية أيام. كنا نبكي باستمرار وكل البنات مثلي يبكين ويطلبن أمهاتهن”.

بعد الأيام الثمانية، اغتصب أحد المسلحين دلفين، وقال لها إنه سيبقيها معها وسيصحبها حيث ذهب: “أخذني إلى البعاج، وبعد أيام إلى تل قصب، ثم إلى تل البنات، ثم سنجار”.

أصعب أوقات دلفين مع ذلك المسلح الذي لم تعد تذكر اسمه كان في سنجار: “بقينا بضعة أشهر في سنجار، عانيت الكثير على يده. كان يريدني أن أتعامل معه كامرأة بينما كنت طفلة لا أعرف شيئاً. قلت له ذلك مئات المرات وحاولت أن أجعله يفهم. لكنه لم يكن يريد أن يفهم، كان وحشاً”، كانت دلفين تبكي وهي تروي تلك القصة.

ماتت في حضني

أعاد المسلح دلفين إلى البيت الذي كانت فيه البنات الصغيرات، وتركها فيه يوماً واحداً. وجدت هناك بنات صغيرات جديدات، لكنها قضت يومها وهي تعاني ألماً شديداً: “كانت هناك بنت في الحادية عشرة من العمر، من سنجار، كان وجهها مكفهراً من شدة المرض، وضعت رأسها في حضني وهي تئن. كانت تنادي أمها، تنادي أخواتها، وكان صوتها يخفت شيئاً فشيئاً إلى أن ماتت في حضني”.

سلكنا طريقاً طويلاً لكي تأخذنا دلفين إلى البيت الذي كانت فيه جارية لأحد المسلحين، وعلى أطراف الجبل شاهدنا خيام النازحين الإزيديين الذين يتحسرون على بيوتهم المدمرة التي يطلون عليها من ذلك المكان المرتفع. تقول دلفين: “لو أننا بلغنا الجبل لما حل هذا بنا، لربما قتلنا الجوع، لكنه كان أفضل”.

طوال الأشهر التي قضتها عند الداعشي في سنجار، كانت دلفين تحبس في بيت مقفل الأبواب كل يوم إلى ما بعد وقت العشاء. دمر القصف الجوي جزءاً من البيت، ومازال بعض المقتنيات التي لا فائدة منها في غرف البيت، تلك الأدوات التي كانت دلفين في يوم ما تستعملها وتعد بها الطعام للمسلح الداعشي الذي حل ككابوس على حياتها: “طوال فترة بقائي في هذا البيت لم يفتح أحد الباب غيره هو. كان متشككاً متشنجاً قاسياً، وعندما كنت أقول له أحياناً بأنه لا شيء في البيت لآكله، كان يقول هناك خبز وماء”. عندها تذكرت اسمه: “تذكرت، كان اسمه صهيب أول الأمر، ثم أصبح أبوبكر”.

باعوني لقاء سيجارة واحدة

ضاق أبوبكر ذرعاً بتصرفات دلفين الطفولية وقرر بيعها. أخذها من سنجار إلى تلعفر وعرضها للبيع في مكتب نخاسة. هناك شاهدت بعض الزبائن يأتون لمجرد السخرية والاستهزاء: “كان أحدهم يحمل هاتفه النقال ويصورنا، ثم يصور الدواعش الجالسين وهم يسخرون منا. كان يلف رقابنا بكوفيته ويجرنا نحوه”.

في ذلك اليوم اشتراها داعشي كوردي من صلاح الدين: “كان من منطقة قريبة من طوزخوماتو، واسمه هيثم. أخذني إلى البعاج، وهناك رأيت شيئاً غريباً، كان في كل بيت فتاة إزيدية أو اثنتان. كما لاحظت أن هناك مكاتب نخاسة في البعاج أكثر من أي مكان آخر”.

بعد وصولهم إلى البعاج بيوم واحد، أخبرها هيثم بأن مطلوب منه التوجه إلى الشدادية في سوريا، وسيعود بعد أيام: “قلت في سري سأهرب قبل أن يعود، كان قد مضى علي عام عند داعش، وهربت عندما خرج، سلكت الطريق إلى قرية الرسالة، لكنهم أمسكوا بي في الطريق وأعادوني إلى بيت هيثم”.

ثم سمعت عن صديقتين لها انتحرتا في الموصل “بسبب بيعهن وشرائهن مرات كثيرة وإهانتهن”.

تقول دلفين: “كانت واحدة منهن في الحادية عشرة من العمر، اغتصبها خمسة دواعش معاً في يوم واحد وأشبعوها ضرباً وهم يغتصبونها، لم تتحمل ذلك، ودخلت في سيارة وأطلقت رصاصة على رأسها”.

بعد عودة هيثم ومعرفته بأن دلفين هربت، بدأ يضربها حتى تعب من ضربها، وكان عنده صديق يدخن معه السجائر بعيداً عن أنظار الدواعش: “قال له هل لك بأن تعطيني سيجارة؟ أخذ منه السيجارة وقال وأنا بدوري أعطيك هذه الفتاة المشاكسة، فسعرها لا يتجاوز سيجارة بسبب طبعها المشاكس”.

تعرضت دلفين للبيع مراراً ولا تسعفها ذاكرتها الطفولية في تذكر أسماء كل من اشتروها من المسلحين الذين كانوا يبيعونها عندما يملونها، أو يكونون بحاجة إلى مال.

في أحد الأيام، أرسلها داعشي إلى بيت كانت فيه امرأتان إزيديتان لا تعرفان شيئاً عما يدور. سألت واحدة منهما دلفين:

– ألم يخبرك الذي جاء بك إلى هنا شيئاً؟

– كلا لم يقل شيئاً يذكر، واكتفى بالقول: هل تحبين الذهاب إلى أقاربك من الكفار؟ فقلت بلى.

بدأت السيدتان يضربن أخماساً في أسداس، لكن دلفين تقول إنها كانت في ذلك اليوم متفائلة ولا تحمل أي هم: “قال لنا الدواعش امضين في هذا الشارع ولا تلتفتن إلى الوراء، حتى إن نودي عليكن”.

سلكن الطريق خائفات. سمعت دلفين إحدى السيدتين تخاطب الأخرى بصوت أجش منهار: “ربما سيطلقون علينا النار من الخلف”، مشينا بضع كيلومترات، ثم شاهدنا سيارة عسكرية قادمة نحونا، تملكنا الخوف، لكن عندما وصلوا إلينا قالوا: نحن بيشمركة، فانفجرنا نبكي فرحاً”.

في طريق عودتنا إلى المخيم عرجنا على مزار الشيخ شرف الدين، وهو أحد مزارات الإزيديين المعروفة. وجدنا أحد الشيوخ يحاور عدداً من البنات والنساء، وبعد أن قبلن الموقد الذي في المزار وعقدن عقدة في غطاء المزار الملون، وقفن ينتظرن من رجل الدين أن يزرع فيهن أمل العودة.

بكت كثيراً في مزار شرف الدين، فهي لم تكن أبداً تتوقع أنها عندما تذهب إلى هناك للمرة الأولى سيحرمها البكاء على فقد والدها وأحبتها من الأمور المفرحة. توجه رجل الدين إلى دلفين وتساءل والحزن يعلو تقاسيم وجهه: “أتستحق هذه أن تؤخذ ويدمر حياتها؟” ثم نثر على وجهها ماء التطهير وأكد لها أنها عادت نفس الفتاة الطاهرة التي كانت تلعب في شوارع تل قصب.

أرتني أم دلفين حبوباً وقالت: “لم تكن تستطيع النوم ليلاً، فكانت تتعاطى هذه الحبوب. كانت تئن في الليل من هول ما شهدته، تنتابها كوابيس يتراءى لها فيها ما فعله بها الدواعش”.

لكن دلفين، وبقدر ما كانت تحلم بمدينة الأشباح، كانت متشوقة لصديقتها الفقيدة حنان، لا أعرف سر تعلقها الشديد هذا بصديقتها حنان، تساءلت “هل مازالت حنان على قيد الحياة؟”، لكن الجواب جاءني بإخفاء وجهها وراء كفيها والدموع تجري من عينيها.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Copyright © 2018 by Lalish Media Network .   Developed by Ayman Qaidi.