أغسطس 20, 2019

Lalish Media Network

صحيفة إلكترونية يومية تصدر باشراف الهيئة العليا لمركز لالش الثقافي والاجتماعي في دهوك - كوردستان العراق

سبايا الخلافة… “كنت في دار أبي بكر البغدادي”

سبايا الخلافة… “كنت في دار أبي بكر البغدادي”

رووداو- دهوك/ “قال لي ابن خالي فلنتزوج! قلت: ما هذا الذي تقوله؟ قتل نصف أهلنا ولا نعرف ماذا سيحل بنا، وأنت تطلب مني الزواج. قال همساً: أعلم، لكني متأكد من أنهم يريدون أن يأخذوك أنت أيضاً إلى سوريا، أنا أقول هذا لكي لا يأخذوك إلى سوريا، وبينما نحن جميعاً نبكي وننوح ونشعر بالقلق، أصبحنا أنا وابن خالي متزوجين”.

اختارت أحمر شفاه فاتح الحمرة، وكحلت عينيها، بينما يغطي شعرها الأصفر الطويل كتفيها. كانت طيلة خمس سنوات، تخفي ببرقع أسود كل ما تزينه الآن من وجهها. قررت سلوى اليوم، وللمرة الأولى منذ أن عادت من الباغوز، أن تتزين وتخرج مع صديقاتها، ولهذا أصرت بشدة على أن لا يكون حوارنا طويلاً ليمتد إلى إعادة فتح جراحها.

في 3 آب 2014 ولمّا يكن غبار قافلة سيارات داعش قد بلغ سنجار بعد، أبلغ والدها بنبأ خطير “أسرعوا للنفاد بجلودكم، داعش قادم نحوكم”، لملمت والدتها ما يكفي بعض وجبات من الخبز اليابس مع بعض قطع ألبسة للأولاد، لكن بعد وصولهم إلى بوابة سنجار، وجدوا أنفسهم في مواجهة مجموعة مسلحين ملثمين. لم يسألهم أحد المسلحين شيئاً واكتفى بأن يطلب منهم الترجل من سيارتهم: “ألقوا علينا القبض هناك وأعادونا إلى سنجار. طلب منا (أبو حيدر) وهو عربي سني من تلعفر أن نعتنق الإسلام، فلم يرفض أحد طلبه، وفي ذلك المساء نقلونا إلى بادوش”.

تم في بادوش عزل الرجال عن النساء والأطفال ثم جرى تسفيرهم إلى تلعفر حيث مكثوا 15 يوماً، وقبل أن ينطلقوا جمعوهم من جديد مع والدها وإخوانها، كان ذلك جزاء إسلامهم: “قالوا سننقلكم إلى قرية كسر المحراب، وسنوزع عليكم مساكن لتقيموا فيها. مكثنا أنا ووالدتي وأخواتي وزوجة أخي وابنته وأخ لي في الحادية عشرة، ثلاثة أشهر في تلك القرية”.

كان هؤلاء الإزيديون الذين أسلموا والذين يمكن أن ينجوا من عقاب داعش أو يتعرضوا لعقاب مخفف، لكن سلوى تقول إن الدواعش كانوا يشكون في أمرهم باستمرار “لم يمر يوم دون أن يفتشوا مسكننا. كانوا يرفعون حتى البسط التي نفترشها لعلهم يعثرون تحتها على شيء يعاقبوننا عليه”.

قاموا بتسفير بعض البنات من هناك إلى سوريا، ومن بينهن أخت سلوى اليافعة، لكن سلوى وزوجها نقلا إلى الموصل، إلا أن خبراً انتشر مع نور صباح أحد الأيام، حول نور النهار إلى ظلام حل عليهم: “هربت عائلة، فبادر داعش بالهجوم علينا واعتقلوا زوجي مع والدي وإخوتي وأخذوهم، وأصبحت أنا رهينة في يد داعش”.

كذبة طبيب

تتكرر ثلاثة أسماء، حجي مهدي التركماني وأبو علي وخليفة، في قصص أغلب الناجيات من براثن دولة الخلافة، كان هؤلاء ثلاثة أمراء مخولين، تحمل الرسائل التي حددت مصائر جواري الجنس تواقيعهم، وتم بأمر منهم “تصدير” سلوى إلى سوريا لتجد نفسها في الرقة.

لماذا بنيت كل تلك السجون تحت الأرض؟ ليس سجناً واحداً ولا اثنين. قضت سلوى مع عشرات النساء الأخريات أياماً في واحد من تلك السجون المظلمة لتجد نفسها في الأخير في مواجهة “أبو عزام” و”أبو مريم التونسي”: “كان رجلاً مسناً ذا لحية بيضاء، ينادونه “وائل”، وعندما ذهبت معه إلى داره عرفت أنه طبيب. قال لي في الطريق أنت بمثابة ابنة لي، ولن يستطيع أحد أن يمسك بسوء، سآخذك وأعلمك تلاوة القرآن. لكنه كذب علي”.

كان مقام وائل مقراً، تقيم فيه عشر نساء إزيديات أخريات. كان قد أخبرها أول الأمر بأن لا أحد يستطيع أن يعتدي عليها: “لكنه قال لي سأعطيك لصديق لي كي يعطيني فتاة أخرى في المقابل. الفتاة التي كان وائل يريد مبادلتي بها، كانت صديقة لي اسمها “فريدة” وكانت عند مسلح يدعى “أبو جعفر الموريتاني””. جاء وائل بفريدة وسلم سلوى إلى الموريتاني. لم يتسن لسلوى وفريدة غير دقائق للتحية والسؤال عن أحوال بعضهما البعض.

كان أبو جعفر الموريتاني، كما تصفه سلوى، منفعلاً عصبياً جهماً. لم يكن يغادر داره إلا بعد إحكام أقفالها على جواريه. كان يعتقد أن اضطهاد المرة واحد من واجبات ومهام الرجال. لم تأت قصة التحاق أبي جعفر بخلافة داعش عن مجرد حب للدولة التي ظهرت حديثاً.

رووداو: ألم يكن يذكر كيف جاء من موريتانيا وأصبح داعشياً؟

سلوى: لم يقدم جواباً صحيحاً قط، كان دائماً يجرحني بكلامه.

رووداو: لماذا؟

سلوى: كان يقول ليس من شأن المرأة أن تسأل.

رووداو: ألم يكشف لك عن سر مجيئه؟

سلوى: بلى، حكى كل شيء في واحدة من الليالي. كان كما روى لي قد نال شهادة الماجستير، وكان ينوي الدراسة للحصول على الدكتوراه. كان في موريتانيا حتى نهاية صيف 2014. لكنه سطا على بيت صديق له، فاشتكاه صديقه، وطاردته الشرطة وداهمت منزله.

قوموا ببيع سلوى فأنا سأفجر نفسي

كان أبو جعفر الموريتاني من الذين يحبون تغيير جواريهم في فترات متقاربة، وكانت تلك فرصة جيدة له لتوطيد علاقاته مع “أبو أحمد الجربا” العراقي الذي كان يعمل على نقل المعلومات الحساسة إلى داعش. فباعه سلوى بثمن أقل مما كلفه الحصول عليها.

“كان قليلاً ما يعود إلى الدار، فقد كان في تنقل مستمر بين المدن وكان يتردد على تركيا أحياناً. كان يجمع الأخبار لكبار المسؤولين في داعش. أذكر أنه خرج ذات مرة ولم يعد إلا بعد 19 يوماً، وقبل أن يسافر أخبرني بأنه سيطيل الغيبة وعليّ أن أذهب إلى دار صديق مقرب إليه”. رغم أن سلوى كانت جارية للجربا، إلا أنها خلال إقامتها في بيت صديقه، سمعت الكثير عن الجوانب المظلمة والخفية من عمل الجربا في صفوف داعش، وفي أحد الأيام تلقى صديقه اتصالاً هاتفياً مفاجئاً من الجربا.

الجربا: السلام عليكم أخي، هل مازالت تلك الإزيدية عندكم؟

صديقه: نعم مازالت هنا.

الجربا: بع تلك الفتاة عني أو هبها لأحدهم.

صديقه: يبدو أنك لا تنوي العودة إلى الرقة؟

الجربا: لا، كانت هناك حاجة لعملية استشهادية في سبيل هدف هام، وقد سجلت اسمي فيها.

أخذ صديق الجربا، سلوى إلى سوق النخاسة وباعها لـ”أبو خطاب”، المسلح العراقي الذي كان منذ مجيئه إلى سوريا يتلهف للعودة إلى العراق، ورفض الأمراء والولاة طلباته العديدة التي قدمها “بعد أن مكثت عند أبي خطاب ثمانية أيام، قال إن عليه أن يبيعني لأنه عائد إلى الرمادي، فباعني لـ”أبو طيبة” الذي كان من أهالي حمام العليل التابعة للموصل. بقيت عند أبي طيبة سنة ونصف السنة، إلى أن داهم مسلحو داعش داره في أحد الأيام وألقوا القبض عليه”.

كانت سلوى قد سمعت أخت أبي طيبة وأمه تطلبان منه أن يتزوجها زيجة حقيقية ولا يعاملها معاملة الجواري “فرغم أنهم كانوا دواعش، لكنهم كانوا ملتزمين بالأعراف، إلا أن أبا طيبة كان لا يفعل ذلك خوفاً من زوجته، وفي أحد الأيام طوق الدواعش داره وألقوا القبض عليه، ثم قالوا إنهم اعتقلوه لأنه سرق سيارة وصادروا داره وكل ما يملك في ما بعد”.

في الفترة التي أمضتها سلوى عند أبي طيبة، قامت بمحاولتي هرب فاشلتين: “في المرة الثانية، كان قد شعر بأني سأهرب، فاختبأ وراء باب الدار، وبمجرد أن فتحت الباب وضع فوهة بندقيته على صدري وقال: سأقتلك إن أعدت الكرة”.

في دار البغدادي

كانت سلوى من ضمن ممتلكات أبي طيبة التي صادرها داعش. أخذوها إلى منزل كبير مزدحم يتردد عليه الكثيرون باستمرار، وكانت هناك حراسة أمنية مشددة على البيت، ولا تعرف سلوى إلى الآن أين كان ذلك البيت من الرقة وعلى أي جزء من المدينة يطل. كانوا يطلقون عليه دار أبي بكر البغدادي، الذي يسميه المسلحون خليفة المؤمنين.

كانت قوانين ذلك القصر مختلفة عن التي تتبع في صفوف داعش، فاللواتي يعرفن بأنهن إماء الخليفة، لم يكن يجوز الاتجار بهن ولم يكن لأي مسلح أن يمسهن: “كنا 16 فتاة، لكن بقيت أربع منا فقط بعد فترة. خلال السنة التي عملت فيها هناك، لم أر أبا بكر البغدادي ولو مرة واحدة. ثم نقلوني إلى مكان يعرف بمكتب الوالي”.

ماذا كن يعملن في دار البغدادي؟ “تنظيف الدار وإعداد الطعام وتدبير المنزل، لكن لا أظن أن البغدادي أكل من الطعام الذي كنا نعده، كان المسلحون يقولون إنه بيت أبي بكر البغدادي، لكني لم أره هناك قط”.

في مكتب الوالي، أتيحت فرصة جيدة للتحدث ولسماع أقوالك. كان الاضطهاد أخف بعض الشيء. في صباح أحد الأيام، وبعد الانتهاء من أعمال التنظيف، خطر على بال سلوى أن تذهب إلى كبيرهم وتقدم له طلباً: “أريد أن تعيدوني إلى سنجار وتحرروني”، لم يؤد الطلب إلى إثارة غضب أو استهجان: “بإمكانك أن تراجعي أميرك وتأتينا بكتاب يحمل توقيعه لكي نحررك”.

الشخص الذي أرشد سلوى إلى استحصال كتاب تأييد من الأمير، كانت صديقة لها، رغم أن ذلك الكتاب لن يفتح في وجهها آفاق الحرية وليس من السهل أن يرحبوا بالسماح لها بالعودة، فإن الأمير سمع شكوى سلوى: “جيد جداً. سأؤيد طلبك شرط أن تحفظي اثنين من أجزاء القرآن”.

حماسة التحرر والعودة إلى سنجار جعلت سلوى تلتصق بآيات القرآن وتحفظها كلمة بكلمة. كانت ترى الثواني والدقائق في ديوان التربية والتعليم كأمانة ثقيلة عليها، ولم تمض إلا فترة قصيرة حتى حفظت جزءاً ونصف جزء، إلى جانب تلقي دروس في العقيدة. حصلت على درجة “جيد جداً” في الامتحان. لكن وبدلاً عن الحرية، كان أبو إبراهيم الطاجيكي ينتظرها. أخبر ذلك الداعشي سلوى أن استعدي لنذهب إلى الميادين: “عشت معه شهرين كاملين إلى أن قتله قصف جوي، وبعدها اضطررت للفرار مع بعض عوائل داعش إلى الباغوز”.

لنلتق في الصحراء

بدأ الشقاء والعناء في مخيم باغوز المحاصر. فقد شكلت قوات سوريا الديمقراطية بالتنسيق مع قوات التحالف حلقة تحيط بتلك المنطقة وتطحن حياة مسلحي داعش وعوائلهم كما تفعل الطواحين: “كنا تحت الأرض في المخيم، كان القصف كثيفاً جداً أول الأمر، وأصيبت صديقة لي، لكننا لم نستطع مساعدتها”، مازالت آهات وبكاء الإزيديات اللاتي أنجبن أولاداً من مسلحي داعش تصم أذني سلوى. فقد تسبب أولادهن في حرمانهن من التمتع بالحياتين ولا يجدن سبيلاً لإطفاء النار التي تلتهم أكبادهن: “أخذ الدواعش الأطفال من بعضهن وأخذوهم إلى مكان يسمونه “دار اليتيم”، كانت لي صديقات كثيرات تنهمر دموعهن كلما جرى الحديث عن عودتنا، لعلمهن بأن المجتمع الإزيدي لن يتقبل أولادهن، فيما لم يكن يقوين على التخلي عن أولادهن”.

رووداو: هل أتيحت لمسلحي داعش، خلال معركة الباغوز فرصة للاجتماع والتفكير في حل للوضع الذي ألمّ بهم؟

سلوى: نعم، كانوا يفعلون ذلك أحياناً، وكنت أسمعهم وهم يتحدثون.

رووداو: ماذا كانوا يقولون؟

سلوى: كان بعضهم يقول سنقاتل، وكان بعضهم يرى أن يبقوا على تلك الحال. بينما كان آخرون يستحسنون مغادرة الباغوز بأية طريقة والوصول إلى صحارى سوريا والعراق، ليلتقوا في الصحراء من جديد ويثأروا لأنفسهم، لكن القسم الأكبر منهم كان مقتنعاً بالقتال حتى الموت.

كانت فرص الهروب في الباغوز أوفر وأسهل، لكن مصدر الخطر انقلب، فقد كان القناصون من خارج المخيم يرصدونهم هذه المرة. في تلك الأيام، أصاب قناص سلوى في رجلها “هذا مكان الإصابة على رجلي”، لكن سلوى جازفت بمغامرة تجلب لها الموت في كل ثانية “لكنني قلت أن أقتل خير لي من أن أتعفن هناك، هربت حتى بلغت عائلة إزيدية في الباغوز، وبقيت معهم 18 يوماً، ثم وصلت إلى أهلي”.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Copyright © 2018 by Lalish Media Network .   Developed by Ayman Qaidi.