أغسطس 22, 2019

Lalish Media Network

صحيفة إلكترونية يومية تصدر باشراف الهيئة العليا لمركز لالش الثقافي والاجتماعي في دهوك - كوردستان العراق

سبايا الخلافة… كانوا يغتصبون البنات في بيوت الشيعة

سبايا الخلافة… كانوا يغتصبون البنات في بيوت الشيعة

رووداو – السليمانية/ (القسم الأول)
مستواها الدراسي يكفي فقط لكتابة اسمها واسم أبيها، لكن أحداث السنوات الخمس الأخيرة آذتها لدرجة أضحت تتمنى لو أنها قادرة على كتابة القصص، لكي يعرف العالم كله ما فعل داعش بهم. إنها ليلى شمو، من قرية نائية اسمها (خانكي)، لكنها تعيش بخيالها في كوكب لا تدعها صيحات ابنتها المختطفة تنعم بنومة هانئة فيه. في الليلة التي سبقت هجوم داعش، أقضّت أصوات المدفعية والهاونات بالقرب من سنجار مضجعها، وكانت ترى أضواء الانفجارات “قلت لزوجي ماذا سنفعل؟ نظر إليّ ولم يقل شيئاً”.

في اليوم التالي عاد زوجها إلى البيت مضطرباً، لكن لم يكن قد بقي أمامهم متسع من الوقت للعثور على طريق للهروب “دخلت القرية عشر سيارات، حاول أخوان الهروب، لكنهما أمطرا بوابل من الرصاص وهما داخل سيارتهما”. جمعوا الكل في بيت المختار، حتى المساء، ثم قالوا ليذهب كل إلى بيته، ويرفع راية بيضاء على داره. بقي أبناء القرية حبيسي بيوتهم خمسة أيام. اتصلوا بمختلف الطرق بالقرى المجاورة، وكانوا من العرب السنة، طالبين منهم العون، لكن الأمر كان كحوار مع الصخر. بدأ هجوم داعش الواسع في مطلع آب 2014. كانت ليلى الأسوأ حالاً بين نساء القرية، فقد اقترب موعد وضعها مولودها الخامس “حملوا 120 شخصاً من أبناء القرية في شاحنة ونقلونا إلى تلعفر، وأنزلونا هناك في مدرسة الزاهر”.

نُقلوا بعد يومين إلى مدرسة أخرى. تقول ليلى عن أحوال السجن الجديد: “كان قذراً جداً، حتى الخبز الذي كانوا يأتوننا به كان قديماً ومتلوناً باللون الأزرق من أثر العفن، مرض أغلب الأطفال”.

الجوع كان يحصد أرواحنا

مضت ستة أيام سود في تلك المدرسة. ثم نقلونا إلى كسر المحراب. تقول ليلى: “كلما نقلونا إلى مكان، كان يخيل إلينا أن جميع إزيديي العالم جُمعوا إليه. بعد ساعة من البقاء هناك، جاؤوا بزوجي وفرحت لرؤيته، كانوا قد حلقوا شاربه، ونما ذقنه. كان يرتدي زياً أبيض، وقالوا لنا بأن علينا أن نغير ملابسنا”.

تصاعدت وتيرة التجويع في تلك القرية، وشاهدت ليلى أطفالاً تعصف رياح الجوع بهم كما تفعل الريح بالأوراق اليابسة. رأت نساء يتوسلن إلى مسؤولي داعش ويقلن إن أولادهن يموتون جوعاً وليس هناك حليب لإرضاعهم “لكنهم كانوا يقولون لا يجوز إطعامهم الحليب المجفف، يجب أن يرضعوا حليب أمهاتهم. كانت الأمهات يقلن إنهن لم يأكلن شيئاً وليس هناك حليب في أثدائهن. لكن بلا جدوى. مات طفل في أسبوعه الثالث. كما ماتت غزال البالغة 65 سنة في نفس اليوم”.

استخدموا الأسرى الإزيديين لبناء مسجد. ثم أجبروهم على الحضور فيه خمس مرات في اليوم لأداء الصلوات. كان العنف والغضب يصبان صباً. فاضطر بعض الإزيديين للتخطيط للهروب “اتفقوا مع مهرب لتخليصهم لقاء المال، لكن مسلحي داعش كشفوا الخطة، ولم يمض الأمر بدون تنفيذ عقوبة الموت”.

بقيت ليلى وعوائل إزيدية أربعة أشهر في تلك القرية، عانوا فيها الكثير، ومات خلال تلك الفترة 21 امرأة وطفلاً بسبب الجوع أو التعذيب والعمل الشاق.

كان الجوع سيفاً مسلطاً على رقابهم. كانت تخاف أن يموت الجنين في بطنها بسبب الجوع: “وعندما كنتَ تطلب منهم الطعام، لم تكن قلوبهم ترق للدموع والتوسلات. أنا أقول إنهم كانوا كفرة، لأن الإنسان المؤمن يحمل في قلبه العطف والرحمة”.

غيري هذا الاسم

في واحدة من الليالي، فاجأ ألم المخاض جسد ليلى النحيل، كان جنينها يريد الخروج إلى الدنيا، بينما كانت هي تريد من الدنيا أن تدعها في حالها. قضت ليلتها تتألم وهي وحيدة: “قلت لسيدة كانت معي، لا تأخذوني إلى مستشفى الدواعش ولو مت. فولد الطفل في وقت متأخر من الليل. سألت عن جنس المولود، فقالوا إنها بنت جميلة. قلت سأسميها غريبة”.

كانت الطفلة تتطلع إلى ما حولها بعينين جميلتين مشرقتين، لكنها كانت قد ولدت في أيام يسميها الإزيديون السنة 74 من الفرمان الأسود.

بعد يومين، نفذ مسلحو داعش حملة تفتيش لبيوت الإزيديين، لفتت المولودة الجديدة انتباه أحد المسلحين.

– سميتها ماذا؟

ليلى: غريبة.

– ما هذا الاسم القبيح الأجوف؟ غيريه.

ليلى: لكنه اسم جميل.

– اسم طفلتك كاف لإثبات أنكم لم تسلموا بعد. تعتبرون أنفسكم غرباء في دار الإسلام. غيريه إلى عائشة أو خنساء أو شيماء.

***

في كانون الأول من نفس السنة، تم نقلهم إلى مركز الموصل. قبل أن يزجوا بهم في قاعة كبيرة، قاموا بتفتيشهم ليعثروا على بعض المال والذهب مع بعض النساء، فصادروه، لكن حدثاً مؤثراً وقع عندما عثروا خلال التفتيش على (دَزيك وبَرات) وهي من مقدسات الإزيديين، عند سيدة عجوز. اجتمع عليها نحو عشرة مسلحين وبدأوا يسخرون من الديانة الإزيدية: “عندما شاهدوا ذلك، قال بعض الإزيديين إنهم ليسوا مستعدين للتحول إلى الإسلام، فأخرجوهم من القاعة وقتلوهم”.

تم توزيع العوائل على البيوت التي أخلاها مالكوها الشيعة خوفاً من الوقوع في أتون الانتقام الداعشي. تقول ليلى: “كانت النساء الإزيديات يغتصبن في تلك البيوت”.

بعد ذلك، جاء عدد من المسلحين لغرض التعداد وتسجيل الأسماء. جمعوا الكل في اليوم التالي وقالوا لهم: “يجب أن تعرفوا جيداً أن الطعام لن يكون بعد اليوم مجانياً لأحد، عليكم أن تعملوا لقاء إطعامكم”.

لكون سنجار منطقة زراعية، كانت حياة 80% من سكانها تعتمد على الزراعة، وقضى أغلب الإزيديين نصف حياتهم في الحقول، لكن مزارع داعش كانت مختلفة، ففيها كانوا يعيشون نفس الظروف التي يعيشها العبيد، وكان عليهم أن يعملوا من الخامسة فجراً حتى الغروب.

الجروح على وجه “خديدا”

كان الاضطهاد تحت أشعة شمس الصيف الحارقة مهمة المسلحين الذين يعملون كمراقبي عمل في الحقول. بعد أسبوع عمل منهك، عادت ليلى لكنها لم تجد أطفال جارها “كان خديدا يسكن تلك الدار، وسأله داعشي أين هؤلاء؟ فأجاب أنه لا يعرف، اقتاده الداعشي وأخذه معه. عاد خديدا بعد يومين، وكانت على وجهه جروح وعلى جسده آثار تعذيب”، كانت الجراح التي على جسده تخبر بأن بلاء سيصب على رؤوس الإزيديين الآخرين أيضاً: “أقر تحت التعذيب بأن عائلته هربت، بل اعترف بوجود هاتف نقال مخبأ يستخدمونه للاتصال بأقاربهم”.

بعد ذلك، تغير كل شيء. تم جمع نحو 15 شخصاً من الكبار والصغار لاستخدامهم في عرض أمام كل الأسرى الإزيديين، تم خلاله جلد هؤلاء بالسياط ليصبحوا عبرة لكل من يفكر في الهروب.

في صبيحة 26 نيسان 2015، حلت بليلى مصيبة أخرى، فقد كان عليها أن تتخلى عن ابنتها ذات العشر سنوات، بعد ذلك أخذوا ابنيها، وكان أكبرهما في الثانية عشرة. لم يكن لأحد أن يقاوم تلك الأوامر أو يرفضها، لأنها صادرة عن حجي مهدي “أخذوا مني عدنان وعتمان، قبّلت أحذيتهم، كانت دموعي تجري على أحذيتهم، لكن بلا فائدة”.

في تلك الضجة وبينما كانوا يأخذون الأطفال من أمهاتهم، شاهدت ليلى امرأة لم تتحمل أخذ ابنتها الطفلة الصغيرة منها، “فحاولت أن تنتزع بندقية أحد المسلحين لتطلق النار عليهم، لكنهم ضربوها بأخمص بندقية على رأسها لتقع على الأرض”. في 29 من نفس الشهر، انطفأ آخر نجوم سماء ليلى المظلمة عندما فقدت ابنتها (حياة) ذات التسع سنوات.

لم تكن قافلة ترحيل الكورد الإزيديين إلى سوريا تتوقف. كانت ليلى قد بقيت لوحدها مع ابنتها غريبة، وفي الأخير تم ترحيلهما إلى سوريا. كانت ليلى طوال الطريق تفكر وتتساءل ترى في قبضة أي مسلح سيضعها القدر؟ وماذا عن أطفالها؟ وزوجها الذي جاء المسلحون ذات مساء وقالوا تعال معنا، فأخذوه ولم يرجع؟ وماذا عن أمها؟ هل ستسمع صوتها مرة أخرى أم لا؟

خمسة أيام تحت الأرض

وصلت الحافلات إلى الرقة، أزيحت الستائر وبدأوا ينظرون إلى الخارج ليروا إلى أي جزء من العالم قذفتهم الأيام؟ شاهدوا الرايات السود مرفوعة على السيارات “كنت أرى في الشوارع نساء يغطين كامل أجسادهن وهن يطوين الطرقات جيئة وذهاباً”. توقفت السيارة عند باب مقر.

قبل إدخالهم إلى المقر، جمعوهم في ساحة، كان التجمع لغرض انتقاء الجواري “اجتمعوا علينا، كان كل واحد منهم يريد الفوز بأجمل البنات. اختار المسلحون عدداً من البنات والنساء. بقيت أنا مع عدد من البنات والنساء الأخريات، وبعد ثلاث ساعات أخذونا إلى قبو المبنى”.

“قطعنا 24 سلماً نزولاً، كان قبواً كبيراً ومظلماً. تنبعث منه رائحة كريهة، كان الظلام دامساً بحيث لا يرى أحدنا الآخر. سألتني امرأة، هل سنرى النور من جديد؟ لم أجب. لكن أسررت في قلبي، بما أنهم لم يرضوا بنا فربما يريدون قتلنا هنا، وقررت أن هذا هو المكان الذي سنموت فيه”.

ليلى، واحدة من أكثر النساء معاناة في العالم، وعندما كنت أحدثها عن آلاف النساء المضطهدات اللواتي اضطررن لتربية أجيال من أبنائهن في ظل العبودية، بسبب لون بشرتهن، كان قلب ليلى ينفطر أكثر، “وماذا كانت جريمتنا؟ أليس هناك عشرات الديانات الأخرى في العالم؟ والعرب الذي عاشوا إلى جوارنا لسنوات وعشنا معاً، ماذا كانت مشكلتهم معنا؟ أي ضرر ألحقنا بهم؟”

أعلم أن لليلى الحق في أن تنعم بمكان آمن وجيد وأن تحب دينها، فأنا وليلى والمسلحون الذين كانوا يظهرون شجاعتهم أمام عجزها، لنا رب واحد، لكننا اخترنا طرقاً مختلفة للوصول إليه.

ستروي ليلة في القسم الثاني من هذه القصة كيف أصبحت سلعة تباع وتشترى في سوق النخاسة، وكيف عثرت على أولادها في الأخير.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Copyright © 2018 by Lalish Media Network .   Developed by Ayman Qaidi.