أبريل 25, 2019

Lalish Media Network

صحيفة إلكترونية يومية تصدر باشراف الهيئة العليا لمركز لالش الثقافي والاجتماعي في دهوك - كوردستان العراق

سبايا الخلافة.. عصبتُ أعين الأطفال كي لا يروا قتل الرجال

سبايا الخلافة.. عصبتُ أعين الأطفال كي لا يروا قتل الرجال

رووداو – دهوك

الجزء الثاني

الاضطراب النفسي الذي كان داعش يعانيه بسبب خسارة عدد من المدن الكبرى في سوريا والعراق، أحيا شيئاً من الأمل عند مَلَكناز، لكن أبا بكر جعلها تيأس عندما باعها لأبي مهند المصري، فما عانته على يد ذلك المسلح المصري لم يحدث في أي من عصور العبودية.

كان أبو مهند يذيق مَلَكناز الويل كل يوم، وكان كما تقول هي قد حول البيت إلى جحيم مصغر لها “لا يمكن وصف وحشية أبي مهند، لكن زوجته كانت طيبة وكنت أقول كيف لشخصين مختلفين تماماً أن يجتمعا ويعيشا تحت سقف واحد!”

تنتشر آثار وحشية ذلك الشخص على كل بقعة في جسد مَلَكناز، وكلما خرج أبو مهند من البيت، بادرت زوجته لتواسي ملَكناز.

لا تستطيع مَلَكناز نسيان طيبة تلك المرأة “كان الرجل مثل روبوت، يطوي البيت جيئة وذهاباً دون أن ينطق كلمة، وكان أحياناً يضرب أولادي، ورفع السكين في وجههم مرات عديدة وقال لهم سأشق بطونكم بهذا السكين إن تكلمتم، كانت تلك كلماته الوحيدة التي يتحدث بها معنا”.

مرت الأيام وساءت الأحوال على غير المؤمل، وكان في كل مرة لا يدع مَلَكناز إلا وهي نصف ميتة “كان يأتيني ويضاجعني بوقاحة! وكان عندما يفعل ذلك يرسل زوجته إلى دار أهلها، ثم يواقعني على مرأى من أولادي، كان ذلك يخرجني عن طوري”.

يحمل جسد مَلَكناز آثار حنقه، ولا تحتاج إلى دليل لإثبات ذلك “دفعني بقوة من الطابق العلوي وتدحرجت على 10 سلالم، وانكسرت رجلي، في مرات كثيرة كان يجرني من شعري على السلالم وينهال عليّ بالركل واللكم، ثم يبدأ بضرب أولادي”.

أبو مهند نموذج مصغر للعنف الذي كان داعش يمارسه في المناطق التي يسيطر عليها، وكان بإمكان المرء من كل بيت لداعش أن يفهم كيف تجري الأمور في محاكم داعش ودوائره الإدارية والتعليمية. العقوبات التي تنفذ ضد المتهمين تشهد على أن العنف هو الذي يسيّر كل الأمور وحتى الاُسَر.

قال أبو مهند لمَلَكناز عدة مرات، إنه لم يعد يستطيع إخفاء ابنها البالغ تسع سنوات عن أنظار الخلافة، وإن عليه أن يضمه إلى دورة شرعية ثم يتلقى التدريب العسكري. عندما ذهبت إلى أبي بكر، أرسل ابن مَلَكناز إلى دورة شرعية، كان مدير الدورة تونسياً يدعى (بتّار) ويريد إرسال 79 شخصاً إلى جبهات القتال في أسرع وقت، وكان ابن مَلَكناز الإزيدي الوحيد بينهم وأصغرهم سناً. كان يخوض التدريب من السادسة صباحاً حتى المساء، ما أدى إلى إصابته بالمرض مراراً، وكان عليه أن يختار بين حياته وبين حمل السلاح لداعش، فوجد نفسه في جبهة حرب ضد قوات بشار الأسد وهو في العاشرة.

وعندما كانوا يسمحون له بلقاء أمه، كان يحكي لها عن مشاهدته ذبح الأسرى في الشوارع القريبة من جبهات القتال، وكانت عمليات الذبح قد زادت مؤخراً “وكانوا عند الذبح يصورون ذوي الرتب والمعروفين فقط، فلم يعودوا يهتمون بتصوير ذبح الأشخاص العاديين”.

ابن مَلَكناز بحاجة إلى فترة طويلة كي يتعافى ويعود إلى الحياة الطبيعية، إنه طفل تشعر بأنه منهار من الداخل بمجرد أن تنظر إلى وجهه المرتبك، ضرب داعش روحه في مقتل عندما دسوا سكيناً في يده “فلم أستطع” وهدده أمير لداعش بأن قتل ذلك الجندي الأسير هو الطريقة الوحيدة ليكسب حياته “ثم أمروني أن أقتله بالحجارة، فرجمته بها”.

إنه جالس إلى جانب أمه وقد أصبح الوجه الآخر لمعاناتها وآلامها، فسألتُه عن عدد الذين ذبحهم داعش على مرأى منه، ليخبرني بأن العدد كبير جداً “كثير لدرجة لا أستطيع أن أحصيهم، لقد بلغ بهم الأمر حد ذبح مسلحيهم أيضاً”، ويقول إن الصفة المشتركة بين الذين ذُبحوا أنهم كانوا يعجزون عن النطق لهول المشهد، حتى أنهم لم يكونوا يتوسلون، إلا واحداً “توسل كثيراً، وقال أطفالي صغار وينتظرون عودتي إليهم، لا تقتلوني لوجه الله، فرد الذباح: ونحن نقتلك لوجه الله”.

يجبرون ابن مَلَكناز على قتل أسير ثان: “قالوا أطلق عليه رصاصة، وفي نفس اليوم جاؤوا بآخر وأمروني أن أقطع يده، أجبروني على قطع يده في الشارع”.

شاهد ابن مَلَكناز الكثير من تلك المشاهد المروعة التي يؤديها مسلحو داعش. تساءلتُ إنك تبلغ من الطول طول بندقية، فكيف كنت تقاتل؟ ابتسم وهز كتفيه وقال “لم يكن ذلك باختيار مني”.

المنتصر في القرى والمهزوم في المدن

تبينت مَلَكناز أن أبا مهند من خلال استقدامه المزيد من المسلحين إلى داره يومياً، أنه يستخدمهم في جبهات القتال، وهو ما تسميه “تعريض الآخرين للقتل وبقائه هو حياً”، لأنه قلما بات ليلة في سوح المعارك “كان يعود إلى منزله ليلاً سالماً ولم يُقتل، لذا أظن أنه لم يكن يخوض الحروب الشرسة”.

أوضح تنظيم داعش هيكل خلافته أو دولته في كتيب بعنوان (قصر الخلافة) أشار فيه إلى ولاياته ودواوينه، وحسب المنشور، كان داعش مكوناً من 35 ولاية في عدد من الدول، 19 منها في العراق وسوريا، والبقية (16) في دول أخرى، وكانت الدواوين تعمل عمل الوزارات.

“لم يكونوا يستطيعون القتال جيداً في المدن ولم يكونوا يقوون على الصمود فيها طويلاً، لكنهم كانوا يقاومون طويلاً في القرى، ولهذا كانوا يتخلون عن المدن ويلوذون بالقرى”، كان داعش قد حدد القرى التي يلجأ إليها للتخندق، لكنه لم يكن يستطيع مواجهة الطائرات الحربية. طرقت الحرب، كما كان متوقعاً، أبواب الميادين، وكان باستطاعة مَلَكناز أن ترى الدبابات من بعيد “عندما وصلت الحرب إلى داخل البلدة، قصفتها طائرة أمريكية، وسقطت قذيفة على منزلنا ودمرت جانباً منه، خرجنا من القصف سالمين وأمامنا فرصة للهروب”.

بعد ثلاث سنوات من الألم والعذاب الشديدين، غادرت مَلَكناز ذلك المنزل الذي تحول إلى كابوس يجثم على روحها وجسدها “نقلونا في سيارة إلى قرية عرفت أن اسمها (شحطا)”.

شكل مسلحو داعش خطاً دفاعياً وسط البلدة، رغم علمهم بأنهم سيخسرون الميادين أيضاً، لكن الهدف الأول من قتالهم كان إتاحة الفرصة لنقل عوائلهم وما يهمهم من ممتلكات ومقتنيات خارجها.

بقيت في بيت بشحطا مع أولادها أياماً، وسمعت خلالها أن أبا مهند قد قتل، “رغم فرحتي الكبيرة بالخبر، لم أصدقه، لأني أظن أنه قتل في آب الماضي”.

كان مسار آخر عملية هروب لهم ينطلق من شحطا إلى هجين، لكن عقلاء داعش في تلك القرى لم يكونوا يعرفون كيف ستكون نهاية القصة، فالموت وإن لم يأت مع سقوط قذائف الطائرات وحصار القوات المعادية لداعش، جاء مع الجوع والعطش اللذين ألمّا بهم.

هجين.. شبح الموت

نقص الماء والطعام لدرجة أنه ألقى الرعب في قلوب أمراء داعش، كانت القوات تحكم تطويقها لهم كل يوم، وزادت حاجة داعش إلى المسلحين المستعدين لتفجير أنفسهم، وكانت مَلَكناز قد فقدت الأمل لدرجة أنها لم تعد تتسلى بذكرياتها الحلوة من السنوات الخوالي، بل لا تنقطع عن التفكير في طريقة لتخليص أولادها، الذين لولاهم لألقت بنفسها من فوق مبنى عال وأنهت مأساتها.

لف إعصار الحرب أرواح الآلاف معه، لكن مَلَكناز ظلت تفكر في الشخصية المعقدة لأبي مهند، رغم أنه أصبح قصة مضت “بقيت خمس سنوات في قبضة داعش، قضيت ثلاثاً منها عند أبي مهند، لم أره خلالها يتصل بقريب له ولو مرة واحدة، لا يعقل أنه لم يكن له أخ أو أخت أو أب! كنت أظنه وحيداً مقطوعاً، كما لم أسمعه قط يتأمل خيراً”.

كانت القرى والبلدات والمدن تُستل من قبضة داعش لصالح جيش الأسد أو قوات سوريا الديمقراطية، وسقطت آلاف الأبراج والمباني، ودمرت الطرق، وتشعر مَلَكناز بالقلق من “مئات الدواعش المختبئين وراء الألوية البيض والباحثين عن فرصة أخرى، فهؤلاء مازالوا دواعش”.

اضطرت مَلَكناز مع عشرات الأسر الخاضعة لسيطرة داعش إلى الهرب من هجين إلى قرية أخرى (بدران)، وأقض زحف قوات سوريا الديمقراطية مضاجع الدواعش، “كنت في الفترة الأخيرة قد نسيت أدعيتي وصلواتي، بل كنت أحس أني بدأت أنسى لغتي، كنت أمضي باتجاه الانقطاع التام عن كل ما يرتبط بي وبديني”.

بعد نحو أسبوع من القتال، ظهرت أمام مَلَكناز وجوه مسلحين مختلفين تماماً عن الدواعش “كانوا من قوات سوريا الديمقراطية”، طمأنوها إلى أنها ستكون بأمان، ثم نقلوا الإزيديات بسياراتهم إلى مكان آمن.

بعد خمس سنوات، أعادوها مرة أخرى إلى سنجار، كان عليها أن تبكي بحرقة مع عودتها إلى حيث تتفتق الجراح من جديد، قالوا لمَلَكناز، حاولي تذكر رقم هاتف أحد تعرفينه، شخص نتصل به ونطلب منه أن يأتي لاستقبالك “تذكرت بشق الأنفس رقم جوال زوجي، فاتصل به أحدهم وناولني المحمول”.

قبل نحو خمس سنوات، كان سعد يجري الاتصال تلو الاتصال بمحمول زوجته بدون أن يلقى رداً، غير “لا يمكنك الاتصال بهذا الرقم”، لكن جاء الرد فورياً هذه المرة، لكن مع البكاء الشديد وتفتح الجروح السابقة ماذا يمكن أن يقال! “أنا مَلَكناز، تعال إلى سنجار، تعال بسرعة يا سعد… أكاد أصاب بالجنون التام”.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Copyright © 2018 by Lalish Media Network .   Developed by Ayman Qaidi.