مايو 19, 2019

Lalish Media Network

صحيفة إلكترونية يومية تصدر باشراف الهيئة العليا لمركز لالش الثقافي والاجتماعي في دهوك - كوردستان العراق

سبايا الخلافة… داعش قتل أغلب الكورد الإيزيديين الذين أسلموا

سبايا الخلافة… داعش قتل أغلب الكورد الإيزيديين الذين أسلموا

رووداو- دهوك/ “نحن كشجرة، قطعت فروعنا وأغصاننا مرات تنفيذاً للفرمانات، تراجع عددنا، لكن يجب أن نبقى”، رجفة يديه تمنعه من وضع التبغ في ورق السيكار ولفه. يتقدمني دخيل ليرشدني إلى الخيمة التي فيها ناجية جديدة…

يريد دخيل أن يحدثني أكثر عن هذا الدين الذي قُتل الآلاف بسبب اعتناقه وسُبيت مئات من النساء اللاتي يعتنقنه. وصلنا إلى بيت منسوج من قماش، بيت المرأة التي شهدت، حتى أواخر أيام خلافة داعش، ما حدث من قتل وجرائم، “هذا بيت المرأة المنكوبة”.

أجلس في مواجهة امرأة تفوح منها روائح الدم والسكاكين وسياط الجلد والغرف المغلقة والشعر المنتوف. امرأة اسمها أميرة، لكنها تنقلت في متاهات غابات شهوات الأمراء لدرجة أن عادت وروحها منهكة وجسدها مهترئ وقلبها مجرد أطلال. مازالت أميرة تروي قصصاً عن القرون المظلمة والعصر الحجري.

قصوا شوارب الرجال

عيناها السوداوان أكثر سواداً من مستقبل العراق. أيقظها صوت الرصاص الأجش القاتل للمشاعر في منتصف الليل، فأيقظت أولادها جميعاً، “ماذا يجري يا أماه؟”، لكن الأم المضطربة كانت ككرة خيط معقدة لا تعرف ماذا تقول، “يجب أن نرحل أسرعوا بالاستيقاظ”. كانت عقارب الساعة المعلقة على الجدار قد تجاوزت الثانية بعد انتصاف الليل. كان صوت إطلاق النار يرتفع ويقترب باستمرار. لكن أهالي (كرزرك) كانوا أقل حيلة من أن يعرفوا إلى أين يولون وجوههم “شغلنا التفكير والنقاش في ما ينبغي أن نفعل ولا نفعل حتى الفجر، وقبل أن تشرق الشمس هربنا في سيارتنا صوب جبل سنجار”.

طريق متعرج وكأنه حية سوداء أكثر طولاً من التاريخ، يؤدي إلى الجبل. قافلة لا نهاية لها من السيارات التي يتبع بعضهاً بعضاً بنية الهروب. يرق قلب أميرة لتلك العوائل المسكينة التي تعطلت سياراتها وستقع في قبضتهم بعد دقائق. لكن مع اجتياز الانعطافة الأولى، قال زوجها مرتبكاً: “لا تسير، السيارة لا تسير ولا أعرف ما هي المشكلة”.

وصل مسلحو داعش والسيارة لم تكف عن عنادها: “أحاطوا بنا، وأجبرونا على ركوب سيارة كما الحيوانات وأخذونا إلى قرية (وردي). في القرية، جعلونا نترجل من السيارة، كنا نحو 500 شخص. جمعونا في مكان، وصفّوا الذين أسلموا في مكان آخر، وقتلوا الذين رفضوا الدخول في الإسلام. ثم عادوا إلى الذين أسلموا، وبدأوا يقصون شوارب ولحى جميع الرجال، وكان زوجي أحدهم”.

بقي ما بين 100 و120 رجلاً بفضل تغييرهم دينهم. ثم جمعوهم مع النساء والأطفال ونقلوا بشاحنات كبيرة إلى مدرسة في تلعفر. كان يوجد في المدرسة نحو 500 شخص. تشعر أميرة وكأن العدد الكبير من الإزيديين الذين تم أسرهم خلال أيام قليلة أربك مسلحي داعش “لم يكونوا يعرفون ماذا يفعلون بالرجال، فهم لا يثقون بهم لدرجة تجنيدهم كمسلحين، ولم يكونوا يريدون قتلهم دفعة واحدة”، لكن كلما زاد عدد البنات والنساء زاد فرحهم.

“عندما كنت أرى ما يفعلونه بالبنات في تلك المدرسة، كنت أتمنى لو أن الأرض انشقت وابتعلت ابنتي التي في الثامنة. ملك طاووس، شيخ آدي، أين السبيل لإنقاذ ابنتي؟”

الفخ الذي نصبه داعش من خلال الهاتف

توصل مسلحو داعش إلى طريقة أخرى لجعل الأسرى الإزيديين يخبرون بعضهم البعض بأنهم أسلموا. جاء أحد الحراس الدواعش في مدرسة تلعفر وقال لها تستطيعين الاتصال بوالد زوجك، لكنه منع عنها أن تحدثه بما تشاء “حموك وأخو زوجك وزوجك وأغلب الإزيديين الآخرين موجودون في سجن آخر وقد أسلموا، ويجب أن تخبريهم بأنكم قد أسلمتم أيضاً”.

وكما أراد المسلح الداعشي، اتصلت أميرة باستخدام هاتفه بحميها وتحدثت إليه وأخبرته أنهم أسلموا وأن إسلامهم أنقذهم من التعذيب والاعتداء. لم يكن ذلك صحيحاً، لكن البحث عن الحقيقة في ظل تلك الظروف كان كمن يتجه إلى الصحراء بجرة يريد أن يملأها ماء.

في تلك الأيام، أعطوا الهواتف النقالة بنفس الطريقة لعدد منهم، وكانوا يريدون منهم خلال دقائق قليلة من المحادثة “أن يوهمونا جميعاً بأن كل الإزيديين قد تركوا دينهم، لكننا في الأشهر التالية عرفنا أنها كانت واحدة من حيلهم”.

إزيديون يتولون حراسة داعش

استمرت حركة القوافل التي تحمل النساء والأطفال الأسرى جيئة وذهاباً. نقلت أميرة مع العشرات إلى (كسر المحراب) من تلعفر: “كانت قرية أخليت من سكانها وسيطر عليها مسلحو داعش. لكني شاهدت فيها مشهداً غريباً جداً. شاهدت عدداً من الرجال الإزيديين يتولون الحراسة، كان داعش قد جنّدهم. كان بعض الرجال يتولى الحراسة وكانت المهام موزعة عليهم. كان المسلحون منهم والذين يتولون الأعمال الأخرى كتربية الماشية والفلاحة، لا يزالون مع عوائلهم وأولادهم”.

كانت آلاف من الماشية التي نهبها داعش في المنطقة، ويصفها بأنها غنائم الحرب، قد جمعت في تلك القرية. تعرفت امرأة إزيدية هناك على بعض ماشيتها. كانت هناك عشرات دونمات من الأرض المزروعة التي تركها أصحابها. كان منتظراً أن يذهب ريعها في الصيف التالي إلى جيوب داعش. تم توزيع الرجال والنساء الإزيديين الذين أشهروا إسلامهم، على الماشية والأرض للعمل.

“كنت مع زوجي معاً، وكان بعض الإزيديين المجندين لحراستنا يقولون أنت تكذبين، هذا ليس زوجك، لكنك تدعين أنه زوجك لكي لا يتخذوك سبية”. أدت تلك الحالات في كسر المحراب إلى إزعاج الإزيديين لأن بعضهم كان يتعرض إلى الأذى على يد إزيديين آخرين.

جعلونا نبني مسجداً

رغم أن أميرة كانت من الذين صنفتهم داعش كمسلمين، لكنها كانت حزينة لأنها لا تستطيع الاحتفال بعيد (الأربعاء الأحمر) الإزيدي، وكانت تدعو في سرها الشيخ آدي ليلهمها الصبر والقدرة على مواجهة تلك الأيام الصعبة. كانت قلوب الإزيديين معلقة بلالش وتعقد أقمشة مصيرها الملونة، لكن أجسادهم لم تكن هناك. فقد كانت أجسادهم رهينة في يد مسلحي داعش الذين كانوا يردون بالرصاص على كل كلمة رفض.

قبل يوم من ذلك، في مساء الثلاثاء، كان أتباع الديانة الإزيدية يستعدون ويلونون البيض، وفي يوم الأربعاء كانوا يوقدون 365 شعلة في معبد لالش ويعلقون الورود الحمراء على أبوابهم وفي منازلهم.

يتبادلون الزيارات في ذلك اليوم، ليس بينهم فقط، بل كان المسلمون أيضاً وخاصة في محافظة دهوك يزورونهم ويباركون لهم عيدهم، ثم كان الإزيديون يزورون مقابرهم، وبعدها يمارسون ألعاباً لينتهي يومهم بسعادة. لكن من الذي سيبارك لأميرة عيدها في يوم الأربعاء هذا؟، “إن لم أعد في المساء، راقبي الأولاد ولا تدعيهم يفلتون من يدك ما استطعت”، هذا ما قاله لها زوجها عندما خرج.

“كانوا بحاجة لبناء مسجد، فجمعوا الذين لا يستطيعون رعاية الماشية وأداء الأعمال الزراعية وأمروهم بالبدء ببناء مسجد. كان عددهم كبيراً وانتهى بناء المسجد في وقت قصير، فباشروا بتعليم الناس الصلاة والإسلام داخل المسجد”.

كان أحد أمراء داعش يتحدث للناس في باحة المسجد ذات يوم. كان يلوح بسبابته ويتحدث بنبرة شديدة غاضبة، وفجأة أسكت صوت بعض إطلاقات الخطيب الغاضب، “كانوا قد قتلوا شخصين وهما يهمان بالفرار، جاء أحدهم وقال من هم أقارب هذين فليذهبوا ويبعدوا جثتيهما”، كانت أميرة متأكدة بأن زوجها ليس أحد هذين، لهذا لم تبرح مكانها، واقتربت برأسها من امرأة كانت إلى جانبها وقالت لها: “أتعلمين أن الحراس الإزيديين هم الذين أبلغوا عن هذين المسكينين؟”.

كان قلب أميرة يحترق عندما ترى أن ناساً منهم ومن بني جلدتهم يحاولون الحفاظ على حياتهم من خلال استهداف أبناء قومهم ودينهم.

* هل كان عدد الذين تم تجنيدهم كبيراً؟

– نعم، كنت أرى ما بين 40 و50 منهم.

* هل كان داعش يثق بهم؟

– لم يكونوا يولونهم حماية مقراتهم، بل كانوا يتخذون منهم حراساً للقرية، ويكلفونهم بالمراقبة لمنع حدوث حالات هروب، أو حماية قطعان الماشية، وكانوا يسوقون بعضهم إلى ساحات القتال.

* هل بقي هؤلاء حرساً عند داعش؟

– طيلة فترة بقائنا في كسر المحراب، نعم، لكن داعش قتل أغلبهم بعد ذلك.

* بعد قتل هذين الهاربين، هل قتل أشخاص آخرون؟

– دعني أخبرك بشيء، كان هؤلاء المسلحون يضطهدون البنات والنساء الإزيديات في الفترة الأخيرة. كان داعش قد دربهم على العنف بحيث صاروا مثل الدواعش يمنعون أي شخص من الهروب. أذكر جيداً محاولة شخص اسمه (تحسين) الهروب فقبض عليه الإزيديون وضربوه ضرباً مبرحاً ثم سلموه للدواعش الذين قتلوه.

جعلوا زوجي حفار قبور لدى داعش

أعود إلى الرجل الذي يرى أن بعض الآلام أشد حتى من أن يُنسيها الموت. كان يفضل، قبل أن أدخل وأجدد آلام ابنته، أن يحدثني قليلاً عن طفولة أميرة: “كانت مدللة جداً. كانت تخاف من الموت والتوابيت كثيراً. حتى عندما كانت تسلك طريقاً، لم تكن تحب أن يمر الطريق بالقرب من مقبرة. عندما وقعت في قبضة داعش كادت لهفتي عليها تصيبني بالجنون. لأني كنت أعرف أن ابنتي لن تتحمل كل مظاهر العنف تلك”.

كانت أميرة قد لاحظت أن زوجها يعود منهكاً من التعب منذ أيام. بل كانت تجد أحياناً بقع دم على ثيابه. كان منهكاً لدرجة أنه لم يكن يقوى على الإجابة عن الأسئلة ويغلبه النوم سريعاً. في ما بعد أخبر أميرة بأن مسلحي داعش وجدوا له عملاً آخر “جعلوني حفار قبور”.

كان عمله يزداد صعوبة كل يوم، لأن القتول كانت إلى ارتفاع مستمر كل يوم، “كانوا يسلمون الجثث لزوجي، وكان عليه أن يحفر لها قبوراً ويدفنها. كانوا في بعض الأيام يقتلون أعداداً كبيرة من الناس ما يضطره لدفن عدد من الجثث في قبر واحد. كانت ثيابه تتلوث بالدم لأنه كان مضطراً لحمل الجثث في حضنه”.

كان زوجه قد دفن الكثير من الجثث بحيث لم يعد يريد أن يروي قصص المزيد منهم لأميرة. كان كل شيء فيه تفوح منه رائحة الموت والرصاصة الأخيرة. كانوا أشخاصاً يجب دفنهم في ثيابهم وحث التراب عليهم، أشخاصاً يحظون بأكثر مجالس العزاء صمتاً.

مهنة حفار القبور، بنت جداراً غليظاً وعالياً بين أميرة وزوجها. فبمرور الأيام انهار زوجها من الداخل وترك الدنيا تماماً، “حتى أنه انهار من الناحية النفسية، وكان يطلب منا أن لا نحدثه عند عودته من العمل، كنا قد فقدناه حقاً، لكن سلواي كانت أن أولادي يرون أباهم كل مساء”.

على باب المخيم لافتات سود تعلن وفاة أمير الإزيديين.

يرى بعض الكتاب والباحثين الإزيديين أن أيام الأمير تحسين بك هي خير أيام تلك الديانة، حيث استطاع الأمير من خلال لقاء بابا الفاتيكان، إيصال صوت الإزيديين إلى العالم، كما أنه طور العملية التعليمية بين الإزيديين وضمن مقاعد برلمانية لهم في بغداد وأربيل. إضافة إلى ذلك، حصل الإزيديون في عهد الأمير تحسين على مناصب وزارية وإدارية عليا، وساهم في تفهم المجتمعين العراقي والكوردي للإزيديين واحترامهم. لكن تلك اللافتات تخبرني وتخبر العالم بأن الإزيديين قد فقدوا هذا الرجل أيضاً. تصف أميرة هذا الموت بعبارة مختصرة: “نحن مجروحون من مئة جانب”.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Copyright © 2018 by Lalish Media Network .   Developed by Ayman Qaidi.