أغسطس 20, 2019

Lalish Media Network

صحيفة إلكترونية يومية تصدر باشراف الهيئة العليا لمركز لالش الثقافي والاجتماعي في دهوك - كوردستان العراق

سبايا الخلافة.. اغتصبني بحضور زوجته

سبايا الخلافة.. اغتصبني بحضور زوجته “القسم الثاني والأخير”

استمرت إيمان وابنة عمها في الاختباء، لكن لم يكن ثم بصيص أمل يلوح في الأفق. كانتا تعرفان أنهما ستكونان في الأخير فريسة لرغبات مسلحي داعش: “جاؤوا ذات يوم وقالوا سنأخذكم إلى قرية (قزلقايو) لأن الرجال الإزيديين انضموا إلينا الآن وسنزود كلاً منهم بدار. لكنهم كذبوا”.

قررت إيمان وابنة عمها وجدتهما الهرب مع عائلة إزيدية أخرى: “خرجنا حفاة وبلا ماء. سرنا طوال الليل، حتى ظهور نور الصباح، فكان علينا أن نختبئ حتى حلول الظلام من جديد”.

كان هروبهم هذا مخاطرة كبيرة، لكن البقاء في قبضة داعش مخاطرة أكبر. تقول إيمان: “عندما حل الليل وهممنا باستئناف المسير، قالت العائلة التي كانت معنا، إنها ليست قادرة على المسير، رجوناهم وتوسلنا إليهم وقلنا إن الموت خير من العودة والخضوع لداعش، أعتقد أنهم كانوا منهارين ولم ينفع كل ما قلنا لهم”.

العائلة الإزيدية غدرت بنا

قضت العائلة الإزيدية على آمال ابنة عمها، فاضطروا لتوجيه طلب آخر إليهم: “قلنا لهم إن كنتم لا تريدون المجيء معنا، فلا تذكرونا عند الدواعش ولا تخبروهم أننا كنا معكم”. وعدوا بذلك، لكنهم نقضوا وعدهم بمجرد وصولهم إلى حيث الدواعش، وكشفوا عن كل شيء “لم تمر إلا ساعات قليلة حتى طوقنا نسلحو داعش من كل جانب، لقد غدروا بنا للأسف”.

كانت إيمان تحلم أحلاماً سرابية. كل المشاهد الجميلة التي تصورت أنها ستراها عند الاقتراب من مناطق نفوذ البيشمركة، والترحيب بها من قبلهم، ذهبت أدراج الرياح. ها هي تجد نفسها من جديد بين أيدي مسلحي داعش “كانوا يتحاورون في ما بينهم، ثم قال أحدهم يجب أن نقتلهم هنا، مددونا على الأرض ووضعوا فوهات مسدساتهم على رؤوسنا. كنت أنتظر حركة أصبع على الزناد تجعلني ألفظ آخر أنفاسي، لكنهم في تلك اللحظة تلقوا اتصالاً هاتفياً، وبعد انتهاء المكالمة، تراجعوا عن قرارهم، وأعادونا إلى نفس المكان”.

بعد وصولهم إلى القرية، سحبوا (نضال) ابنة عم إيمان والتي كانت في الثالثة عشرة، ووضعوها في سيارة: “كنت أشاهد نضال، حتى غابت السيارة عن الأنظار، وهي تضرب زجاج نافذة السيارة بيدها وتصيح منادية علينا، جدتي وأنا”.

في نفس اليوم، أعيدت إيمان وابن عمها، وهو أخ لنضال، إلى قرية (كسر المحراب)، لكنهما كانا مرهقَين يشعران بالانكسار والغصة لفقد نضال: “كانت نضال كل شيء بالنسبة إليّ”، في اليوم التالي، أخبر (حجي التركماني)، الأمير الداعشي التلعفري، إيمان بأنهم سيأخذونها إلى حيث ابنة عمها، لكن إيمان لم تصدقه “أبديت موافقتي حباً لنضال، فذهبنا فرحين للقاء نضال، وكنت في سري أقول إني سأعيدها معي، لكنهم كانوا غادرين وكذابين، وعرفت أننا ذاهبون إلى تلعفر”.

يتخذونها جارية

لا تعرف إيمان بالتحديد المنطقة التابعة لتلعفر التي أنزلوها فيها من السيارة، لكنها أدركت أن اللقاء مع نضال كان كذبة: “أخذونا، أحمد وأنا، إلى الطابق العلوي من مقر عسكري. بعد عشر دقائق، جاؤوا لأخذ أحمد، لكنه رفض وأصر على أن لا يبرح المكان بدوني، فانهال عليه المسلحون بالضرب وسقط من فوق السلالم، لو نسيت أي شيء لا أستطيع نسيان الضرب الذي تعرض له أحمد”.

بقيت إيمان في ذلك المقر حتى الليل، وجيء بفتاة أخرى اسمها (سامية) لم تكن إيمان تعرفها. في التاسعة ليلاً جاء أمير داعشي يدعى (أبو معتز)، وقال للداعشي الذي يرافقه: “سآخذ إيمان، وتأخذ أنت سامية، وكان المسلح الداعشي كوردياً، وكانت سامية تبكي فتقرب منها وقال لها بالكوردية توقفي عن البكاء، أما أنا فاتخذني أبو معتز جارية له”.

أخ يبيع جاريته لأخيه

“لم يفعل أبو معتز معي شيئاً في تلك الليلة، ولما أفقت من نومتي في الصباح، كان قد غادر المنزل، فسألت ابنته أين ذهب أبوك؟” حسب ما عرفت من البنت، كان أبو معتز قد ذهب للمشاركة في معركة ضد الجيش العراقي: “عاد بعد سبعة أيام، وكان يعرف أن ابنة عمي نضال هي نقطة ضعفي، فقال استعدي سآخذك إليها، لكنه أخذني إلى بيت أخيه وباعني له، كان أخوه يدعى صبحي”.

صمدت إيمان نحو ثلاثة أشهر في مواجهة العنف القاسي لصبحي وزوجته الداعشية، اللذين لم يكونا يفتقران قط إلى حجة لتوبيخها وإيذائها: “عندما ملني صبحي، باعني إلى شخص يدعى (أبو فاطمة و أبو عائشة)، وكنت باستمرار أحاول معرفة الأسماء الحقيقية للدواعش لكنهم لم يكونوا يخبرونني بأسمائهم، حتى أنهم كانوا يوصون أولادهم بعدم الكشف عن الاسم الحقيقي لآبائهم، لكني عندما اطلعت على الكتب المدرسية للبنات، وجد على أحدها اسم (ماريا صبحي) وعلى الآخر (عائشة عبدالكريم) فعرفت ما كنت أريد”.

كانت الموصل في تلك الأيام تبدو أكثر مدن العالم سوءاً، مدينة يخيم عليها الخوف الذي يحدد كل شيء، وكان التخويف والترهيب فناً فاعلاً في مجال إسكات السكان وترويضهم.

شعرها الأسود الكث مسدل على كتفيها، وهي تمسده بيدها وكأنها تريد من شعراتها أن تشهد لها: “كنت أحب شعري كثيراً وكانت أمي تحبه كثيراً، لم أقصه منذ طفولتي، وكنت أقول لن أسمح لهم بقص شعري حتى لو قتلوني. لكني لن أنسى أبداً ذلك اليوم الذي جاءتني فيه زوجة أبي عائشة حاملة مقصاً في يدها وقصت شعري عقاباً لي على ضرب ابنتها”.

لكن العقوبة الأشد جاءت بعد أيام قليلة: “أجبرتني على الوقوف في المطر في يوم بارد ممطر حتى المساء، وكان جسدي يقشعر من شدة البرد الذي أصابني، وفي المساء دعوني إلى الداخل، لكني بقيت أرتدي ثيابي المبللة، لأنهم رفضوا إعطائي غيرها”.

التقت إيمان العديد من مثيلاتها في أيام كونها جارية، وقصصهن جميعاً مأساوية، ومنها قصة الفتاة الإزيدية (نارين)، فبعد أسرهن أخذوهن إلى مدرسة في (البعاج) وزجوا بالبنات في غرفتين، ثم قال أحد المسلحين ضاحكاً “ليس عليكن جميعاً أن تشعرن بالخوف، فالدميمات سيبقين هنا”.

بعدها، تم نقل 15 منهم إلى (تلعزير) حيث أجريت قرعة لتوزيعهن، فكانت نارين من حصة سوري في الخامسة والعشرين يدعى (أبو غازي)، كان ضخم الجثة سميناً، وكانت أخت لنارين من نصيب مسلح موصلي.

تقول نارين: “أخذونا أنا وأختي وفتاة أخرى إلى بيت، واغتصبونا جميعاً في غرفة واحدة وفي وقت واحد”.

كانت نارين ورفيقاتها يواجهن نفس الحالة، الضرب والاغتصاب الجماعي، كل يوم. لهذا قررن القيام بانتحار جماعي، فبدأن بتناول سم الفئران، لكن أمرهن انكشف ونقلن إلى المستشفى وتم إنقاذهن من الموت.

في أواسط العام 2015، وصلت مئة تونسية إلى الرقة، كن قد قررن، بموجب فتوى شيخ تونسي، الانضمام إلى جهاد داعش في سوريا، حيث أن ذاك الشيخ قال إن افتقار الخلافة إلى العنصر النسوي أصبح نقطة ضعف للمقاتلين. كما قال للنساء إنهن، من خلال جهاد النكاح، سيكسبن مثل أجر مقاتلي داعش الذين يُقتلون في ميادين القتال، لكن هذا العدد القليل من النساء اللواتي كان يتطلع مئات المسلحين للحصول عليهن، لم يكن كافياً لحل المشكلة.

نقل أبو عائشة منزله من منطقة (المشيرفة الأولى) إلى حي (17 تموز) وأقام في الحي عشرة أشهر. تقول إيمان: “كان أبو عائشة سيئاً. كان يؤذيني ويضربني ويغتصبني، وكنت أتساءل متى سيلتفت الله إلي، فلا يقبل الظلمَ إلهُ أي دين، كنت طفلة ولم أكن أحتمل كل ذلك. لا أدري أين كان العالم الذي لا يريد أن يرى ما يفعله بي أبو عائشة؟”.

تعرضت الموصل لهجوم ذات يوم، وبخلاف وجوه مسلحي داعش الكالحة المرتبكة، كان وجه إيمان يشرق كلما اقتربت الأصوات الصادرة عن المعارك: “عبرت عن الكثير من الفرح، فأخذني الكلاب إلى تلعفر وباعوني إلى طبيب يدعى (إحسان التلعفري) كانوا يكنونه أبو عبدالله، اغتصبني في عيادته في نفس اليوم الذي ابتاعني فيه”.

ملغّمة إلى حيث والدي

تشتاق إلى حردان وأزقتها المغبرة وظلال أشجار الزيتون المعمرة فيها، تشتاق إلى أمها وأبيها وأخيها الصغير، إلى رائحة التراب الذي يرش بالماء ويحملها النسيم ويجول بها في أنحاء القرية، لكن الصوت الغاضب لـ(رفل) زوجة الدكتور إحسان، قطع عليها تفكيرها: لماذا لا تردّين أيتها الإزيدية الكافرة المنحلة: “وخوفاً من أن تضربني بعصا كما فعلت الليلة الماضية حتى كسرت العصا على ظهري، سارعت إليها، لكنها كانت قد قررت أن تضربني، فضربتني على رأسي وأفقدتني الوعي”.

مر عام وثلاثة أشهر على أسر إيمان، وكانت في كل يوم تشعر بأن المسلحين يزدادون توتراً وضيقاً، كان الجيش قد بدأ الهجوم البري، فجمع الدكتور إحسان زوجته وأولاده بسرعة وأرسلهم إلى تركيا مع أحدهم، لكنه أبقى إيمان في المنزل.

تقول إيمان: “أخذني إلى (سمر) وهي فتاة إزيدية سبق وأن تعرفت إليها في تلعفر، وجاء الدكتور إحسان بسمر ذات مرة، فبقيت معي في البيت وبقينا نحكي معها عما أصابنا حتى انتصاف الليل. مازلت أحب سمر”.

التقت إيمان وسمر ورنا وفيان في الأيام التالية، وقد قتل زوج فيان على مرأى منها عند احتلال الموصل، ثم بيعت سبع مرات.

أبلغوهن في واحدة من الليالي بالاستعداد للانتقال إلى سوريا، لكن عندما قصفت الطائرات السيارات التي كانت تتقدم القافلة، ألغيت الخطة، وبقوا في منطقة مهجورة بالقرب من الحدود السورية: “بتنا ليلتنا في العراء، لكني لم أكن أتوقع أبداً أن تكون تلك ليلتي الأخيرة مع داعش”.

تم تسليم إيمان وسمر، لمسلح داعشي يدعى (أبو جاسم)، وفي يوم 28 آب 2017، كن يجهلن أن السيارة التي ستقلهم إلى حضن أبيها كانت مفخخة، وكان الهدف أن يكون عرضاً دموياً بدلاً عن لقاء ترطبه دموع الفرح. سلم أبو جاسم جهاز الهاتف لسمر، لكي تتصل بأبيها، فأبلغت سمر أباها عن تفاصيل المكان الذي كانت فيه وأخبرته بأن إيمان ورنا وفيان أيضاً معها، “قال أبو سمر لا تبرحوا مكانكم، وسأحاول الوصول إلى رقم هاتف والد إيمان أيضاً”.

كانت تسمع صوت أبيها من خلال الهاتف النقال، أي يوم هذا يا رب، وكيف تسنى لأبي جاسم أن يكون رؤوفاً ويبدي هذا اللطف؟!!

وصلت إيمان رفقة الفتيات الثلاث إلى حيث قوات البيشمركة، لكن السيارة لم تنفجر، تقول إيمان: “كان السائق مسلحاً داعشياً ، ولما اقتربنا من سواتر البيشمركة، وبدون أن أعرف السبب، قفل راجعاً وترك السيارة، فظننا أنه فعلها لكي يفجر السيارة عن بعد، لكننا وصلنا إلى حيث البيشمركة ولم تنفجر السيارة”.

كان الكثير من الأهل والأقارب قد جاؤوا لاستقبالهن، لكن تفكيرها كان متعلقاً بنضال، التي لا تعرف مصيرها. خرجت إيمان من أزمة الجور واليأس، وعادت إلى الحياة، لكنها مجبرة على العيش في مخيم كبير للنازحين، وهي تريد أن تعرف ماذا يحمل لها القدر.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Copyright © 2018 by Lalish Media Network .   Developed by Ayman Qaidi.