ديسمبر 13, 2019

Lalish Media Network

صحيفة إلكترونية يومية تصدر باشراف الهيئة العليا لمركز لالش الثقافي والاجتماعي في دهوك - كوردستان العراق

سبايا الخلافة… أسعار اللواتي لا يعرفن العربية كانت أدنى

سبايا الخلافة… أسعار اللواتي لا يعرفن العربية كانت أدنى

رووداو – دهوك/ كان جرس هاتف والدها يرن باستمرار، لكن الاتصال الوحيد الذي بعث فيهم شيئاً من الأمل، جاء من جارهم الذي حمل العائلة بسيارته المنهكة، عند ورود خبر وصول مسلحي داعش، وبلغ بهم جبل سنجار: “لم نعد تحت سيطرة داعش، لكن لا ماء نشربه هنا ولا طعام”.

كانت والدتها تصر على أن يهربوا وتلح في ذلك، لكن والدها كان يظن أن الطائرات الحربية وقوات الإسناد التابعة للجيش العراقي ستحميهم.

في الأخير، أقنع أحد أعمامها والدها بالتخلي عن تفاؤله وأن لا يسلم أولاده لقطيع الذئاب. كان والدها يضغط على السيارة لتنطلق، كانوا قد خرجوا من الدار لتوهم عندما نادى أحدهم وقال لوالدها بصوت أجش ومنهار: لقد دخل داعش إلى سنجار، ورفعوا علمهم الأسود في حي آزادي، وذبحوا أحدهم: “رسم والدي ابتسامة مصطنعة على وجهه ليقنع والدتي بالتوقف عن البكاء، ثم قال: سننجو”.

لكن داعش ومسلحيه، الذين كان هؤلاء يعتقدون بأنهم قرويون جهلة بلا تخطيط، كانوا قد نفذوا هجومهم بذكاء. قطعوا كل الطرق التي تربط سنجار بإقليم كوردستان، حتى الفرعية منها: “الذي آذانا كان قيام جيراننا العرب بإرشاد الدواعش إلى سبل قطع طريق الفرار عنا لنقع في قبضتهم”.

“قل لهن إنكن إماء”

اضطرت رويدة، مع أخواتها الثلاث وأمها وأبيها، للترجل من السيارة عندما صوب المسلحون بندقياتهم نحوهم، صاح أحد المسلحين بأبيها غاضباً: “لماذا لا تترجلون؟”. هناك عزلوا البنات وأمهن وأبعدوا الأب عنهن إلى حيث الرجال الذين سبق وأن وقعوا في الكمين “كان أحد المسلحين يحمل علبة كرتون، وأمرنا أن نضع فيها كل ما معنا من مال وحلي وهواتف محمولة”.

ثم أمروهن بالصعود في سيارة شحن كانت مركونة هناك. تقول رويدة: “كان يوجد في الشاحنة بعر غنم وماعز، يبدو أنهم كانوا ينقلون فيها الغنم قبلنا. كان سائقها شخصاً نحيف الجسم يرتدي دشداشة، وتوجه بها إلى البعاج”.

في داخل الشاحنة، كان كل يقول شيئاً عن المصير الذي ينتظرهن، كان البعض يقول إنهم سيقتلونهن، وكان هناك من يقول سيتخذوننا جواري، وكان ثم من ينظر نظرة تفاؤل ويقول لن يحصل شيء وسيعيدوننا إلى سنجار.

مكثوا في البعاج فترة قصيرة، لكن تلك الفترة القصيرة كانت عاماً من الألم بالنسبة إلى رويدة. ففي تلك السويعات رأت الأمهات بأعينهن كيف يتم تقاسم بناتهن كغنائم حرب. في تلك الساعات أيضاً صعقن بنبأ قتل جميع الرجال. كذلك المسلحون الذين كانوا يتجولون بينهن ويضحكون وهم يقولون: “كيف لك أن تختار واحدة من بين كل هؤلاء البنات الجميلات”، ليرد الآخر: “يستحسن أن تأخذ أكثر من واحدة”.

تقدمت سيدة من المسلح الذي كان يتولى مراقبة البنات: “حباً بالله أخبرني ماذا سيحل بنا؟”، كان الحارس قد سمع المئات من أمثال هذا السؤال، لهذا قال بعض كلمات وهو ضجر: “بعد أيام ستذهبن إلى آبائكن وإخوانكن الكفار”. لكن مسلحاً آخر لم يشأ أن يمنحهن أملاً ولو كذباً، فقال: “لم لا تخبرهن بالحقيقة، قل لهن إنكن إماء وانتهى. لن تعدن أبداً إلى حيث كنتن تعشن”.

“كانت اللواتي يعرفن اللغة العربية أغلى ثمناً”

ماذا كان سيعني أن يكون الوقت ليلاً أم نهاراً، بالنسبة إليهن؟ ماذا لو كان الجو صحواً أو عاصفاً؟ ماذا سيغير ذلك من حالهن؟ مجموعة نساء وبنات، محتجزات، وكل واحدة تنتظر ورأسها يعج بتحليلات وأفكار وتوقعات ولا تعرف ماذا ينتظرها في الدقائق القادمات. على طول الطريق، وهن في الشاحنة، وفي فترة مكوثهن في مدرسة بالبعاج، كانت رويدة قلقة، هل سيغتصبونها؟ هل ستتسنى لها فرصة لكي لا يحدث ذلك؟ هل ستتحمل طفلة في الرابعة عشرة ذلك؟ ترى من سيكون الوحش الذي سيمارس الجنس معها؟ كيف لها أن تدافع عن نفسها وتتمنع؟ وأسئلة كثيرة لا جواب عليها إلا في السماء، عند الله الذي كانت تتوسله وتطلب منه أن يحمي عذريتها.

“جاء مسلح داعشي، وبين لنا من خلال حركات قليلة كم هو بلا حياء. كان يضع يده على رؤوسنا واحدة فواحدة ويتمعن في وجوهنا. ثم كان يسأل كل فتاة: هل تعرفين اللغة العربية؟”

في الأيام التالية، ولما فقدت رويدة عذريتها، وتم احتلال كل شيء في عالمها الخاص من جسدها وروحها، مثلما كانت سنجار محتلة، أدركت لماذا كان الزبائن الشهوانيون يطرحون ذلك السؤال على البنات. كان جواب أكثر البنات بـ”لا”، لهذا قال لحرس الدواعش: “هؤلاء لا يعرفن العربية ويجعلن عملنا صعباً. لن يفهمن ما نريد جيداً، لهذا سأدفع ثمناً أعلى عن اللواتي يعرفن العربية جيداً”.

تقول رويدة إنهن كن يعرفن العربية لكنهن اتفقن على عدم الإجابة عليهم بالعربية.

سألت رويدة في البداية: هل تستطيعين رواية قصتك بالعربية؟ هزت كتفيها وقالت: “لا أريد التحدث بهذه اللغة أبداً”.

أنا أدرك الآن لماذا لا تريد أن تتحدث بهذه اللغة، لأن هذه اللغة مرتبطة في ذاكرتها بتلك الأيام السود، وتنبعث منها رائحة العذرية السليبة.

في مقر للبيشمركة

لاحظت رويدة أنه كلما تم نقلهن من مكان إلى آخر، زاد عددهن، “كلما نقلونا إلى مكان وجدت فيه إزيديات أخريات، ومن خلالهن كانت تتضح لي الأمور، وعلمت أننا سنباع أكثر من مرة”.

بعد ذلك، نقلوهن إلى مكان كان مقراً للبيشمركة في سنجار. تقول رويدة إن الأثاث في المقر كانت على حالها، والذي تغير كان رفع العلم الأسود على سطح المقر. “وجدت هناك أكثر من خمسين امرأة أخرى. كانت كل واحدة منا قد تعرضت للاغتصاب عدة مرات. ثم جاؤوا بحافلات ونقلونا إلى الموصل”.

في قاعة كبيرة، بدأ داعشي بتسجيل أسماء اللواتي بات جمالهن وبالاً عليهن.

– كيف جرى اختيار الجميلات؟

– نحن البنات الإزيديات، لا نغطي رؤوسنا، لكنهن جميعاً كن يغطين رؤوسهن هناك لكي لا تظهر ملامحهن ولا يظهرن جميلات، كانوا يصفّون البنات واحدة بعد الأخرى ويرفعون رأس كل واحدة بأيديهم ويزيحون أغطية رؤوسهن.

– على ماذا كانوا يركزون في الغالب؟

– كانوا ينظرون إلى الوجوه، القامة وكذلك لون البشرة. أذكر فتاة ذات بشرة بيضاء رقيقة وعينين سوداوين واسعتين، فسارعوا إلى إخراجها من الصف. كانوا يغضبون بشدة عندما لا تكشف إحداهن عن وجهها. أذكر أنهم قالوا لفتاة، متى سترتم أنفسكم أنتم الكفار لتحتجبوا عنا الآن.

– بعد تسجيل الأسماء. إلى أين أخذوا اللواتي تم اختيارهن؟

– لم نكن نرى اللواتي يذهبن، بعد ذهابهن. كانت كل واحدة تذهب إلى ولاية من ولايات داعش وتقع في قبضة أحدهم. كان ثم من يعود منهن، فكان يعاد بيعهن بالجملة. في تلك المرة أيضاً، لم أكن من اللواتي وقع عليهن الاختيار. كان هناك زبائن يطلعون على البنات بقصد الشراء. كانوا ينظرون حتى في أفواههن وإلى أسنانهن. كأنهم تجار ماشية في سوق بيع الأغنام والماشية.

“باعوني 12 مرة”

رويدة فتاة ذات بشرة حنطية وجسم نحيل، مقلة في الكلام ولا تحب أن تُسأل كثيراً. تشغل نفسها في الغالب بهاتفها المحمول الذي في يدها. كما تنام في أغلب الأوقات. لا أدري إن كان ذلك انعكاساً للسنوات المظلمات التي عاشتها، أم أن هذا كان طبعها من البداية. كانت طالبة في حي آزادي، قبل أن يظهر داعش، وكانت متفوقة في مادة التاريخ، لكني لا أظنها الآن تحب تاريخاً يروي أحداث أيام داعش السود.

في الأخير، اندرج اسم رويدة في القائمة التي كان المسلحون يأتون لملئها بين الحين والحين، “رحلوني إلى تلعفر وهناك أخذوني إلى بيت شخص يدعى عبدالله. كان البيت نظيفاً ومرتباً. كانت فيه بنات ونساء إزيديات أخريات، بعد أيام، جاؤوا بأمي وإحدى أخواتي”. بعدها تبين لرويدة أن بيت عبدالله كان مكتباً للنخاسة.

كان عبدالله قد نشر حرساً خارج وداخل البيت لكي لا تفكر إحداهن في الهرب، كما أنه أحكم إغلاق الأبواب والشبابيك بصورة لا يمكن اختراقها. كان أنواع من الزبائن يترددون على البيت. أغلبهم يريد بنات ليأخذوهن إلى سوريا. كان هم عبدالله الوحيد هو الربح، “لكنه كان مستعداً لبيع الفتيات اللواتي لا يخضعن ويفكرن في الهروب باستمرار، بأثمان أدنى للزبائن ليتخلص من همهن”.

جاء زبون ذات يوم، وبدا أنه قادم من مكان بعيد. ألقى نظرة سريعة واختار رويدة وفتاة أخرى، وابتاعهما. بعد ذلك ذهب إلى غرفة عبدالله وكتب العقد، الذي تسميه رويدة “عقد الزواج الشرعي” وتسميه الأخريات “عقد البيع”. بقيت في سوريا أربعة أشهر. تنقلت من هذا إلى ذاك. من بيت إلى بيت، ومن تاجر إلى آخر “وهكذا باعوني اثنتي عشرة مرة، وكل من اشتراني كان أسوأ من سابقه”.

ما لم نذكره

خلال تلك السنوات الخمس، شاهدت رويدة عشرات المستعبدات في مكاتب وبيوت النخاسة. كن يفرغن ما يجثم على صدورهن من هم في الغرف المغلقة، وكن يتحدثن عن كل شيء: “لكن أي واحدة منا لم تكن تريد أن تتكلم عن حالات الاغتصاب التي لا تحصى وكنا جميعاً نعلم أن الأخريات عانين من ذلك الألم. كان ذلك شيئاً لا تريد أي واحدة أن تتحدث عنه”.

“رويدة، ترى هل نضج التين الذي في باحة منزلنا؟ ترى كيف هي أمسيات سنجار الآن؟”، هذا ما سألت عنه فتاة التقتها رويدة في بيت نخاسة بسوريا، وكانت زميلة لها في أيام الدراسة. لكن رويدة لم تكن تعرف مَن من الناس موجود في بساتين سنجار ولا تعرف إن كان البستانيون دواعش أم أن الحياة عادت إلى طبيعتها هناك.

حدثتها زميلتها كيف أن ليبياً فتونسياً ثم موصلياً وآخر باكستاني وبعدهم سعودي اشتروها. كل تلك الأمور كانت معروفة لدى رويدة، لأنها مرت بها جميعاً، “الأمر الغريب بالنسبة إلي، بين داعش، هو تطابق المسلحين في تصرفاتهم وحركاتهم وتعاملهم. فقد كانت طريقة تعامل وتصرفات المغربي والسوداني والعراقي والسوري هي ذاتها. كانوا متشابهين في التزمت والعدوانية والإيذاء، لم يكن بينهم خيّر ولا رؤوف”.

تدرك رويدة الآن لماذا زادت غالبية البنات والنساء الإزيديات بأنفسهن من عبء الرق، وضيقن على أنفسهن فرص الهروب والخلاص “لو أننا أعلنا إسلامنا كذباً، لتوفرت لنا فرص أفضل للفرار، لكن كل الفتيات والنساء اللواتي التقيتهن كن يرفضن ذلك”.

أنهت رويدة رواية قصتها هنا، فهي لم تعد قادرة على الاستمرار في سرد الرواية.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Copyright © 2018 by Lalish Media Network .   Developed by Ayman Qaidi.