أغسطس 20, 2019

Lalish Media Network

صحيفة إلكترونية يومية تصدر باشراف الهيئة العليا لمركز لالش الثقافي والاجتماعي في دهوك - كوردستان العراق

هاتف بشبوش: نبيل تومي ، عائمُّ في الأقبية

نبيل تومي ، عائمُّ في الأقبية … 

هاتف بشبوش

في آلقوش الآشورية حطت دمى الألعاب بأزيائها للطفولة الزكية للروائي نبيل تومي ثم شربت صباها النزق من مياه الحبانية العذبة ، حتى إكتست جلدا وصبراً في بغداد حيث هناك آلام السياسة وحب الوطن ، فحكم عليه بالإعدام مرتين لإنتمائه السياسي ، تشرد في المنافي حتى أصبح سندياناً عراقيا في السويد ، شارك في أربعين معرضا عالمياً ونال الجائزة الأولى في معرض الدول الإسكندنافية لعام 1991 ، ومن ثم العوم في بحر الكتابة والسرد مثلما نقرؤه في روايته ( العائم) مدار قرائتنا هذه . الرواية إكتملت مسودتها في العام 1989 حتى بزغ نورها في هذا العصر الذي لايزال دامياً في شفقه .
نبيل تومي يمتلك علاقة الكاتب الأصيل والحقيقي بشخصياته الملتبسة والمعقدة ومن الصعب أن تجد في هذا الإرتباط اسقاطات شخصية ذاتية ، بل يتحاور مع النفس ليجد الحلول النهائية لمستوى الإدراك لدى شخصياته حتى نهاية مشاويرها في الحياة النضالية والعامة رغم مانعرفه انّ أي عمل إبداعي هو ذاتي ونتاج الروح المبدعة بالضرورة. كما أنه إستطاع أن يبرز بشكل جلي نسبة الوطنية واليسارية في دمائهم عند التحليل وكأنه يشتغل على الجين والكروموسوم لدى كل منهم إعتمادا على حب التضحية التي ساقتهم الى قبورهم والى هناك في أعالي السماء أو عند النجوم ، لكي نراهم ونحس بهم بشكلٍ سرمدي فيكونوا دليلنا الى جنات فردوسهم العادل وهم يبصقوا من الأعالي على جلاديهم وقاتليهم .
في رواية (العائم) نجد نبيل تومي إتسم بالتوهج والإيجاز والمجانية وكان بعيدا لحد ما عن (الغراموفاميا) فيما يعرف بهوس الكتابة السطحي ، وبهذه المسميات إستطاع أن يزرع في نفوسنا ذلك الشعور حين يتغلغل في الصدور فيمطر مرجانا وزبرجداَ كلماتياً منفرداً . انه الروائي الذي يكتب عن الإنسان هذه الكلمة التي ترن بكبرياء ، عن الهوية الوطنية العالمية على غرار هوية (نيلسن مانديلا) التي لم يكتسبها هذا الثائر لكونه مسيحي ، بل لكونه السجين والموثوق الكوني الذي حمل هموم المنكسرين . الهوية الوطنية هي أنني أستطيع ان اتماهى مع الحب الحقيقي لإمرأة مهما كان عرقها ، الهوية هي أنني أؤمن من أنّ التقبيل له أداء واحد في كل العالم ، أدافع عن انسانيتي أكثر من طائفتي ، أؤمن من أنني سيد نفسي ولا سيد فوقي ، أصرخ بوجه الطغاة الذين لايتورعون في زج الطفولة في السجون كما صرخة الشاعر الفرنسي ( لويس أراغون) حين قال (إني لأعجب من القتلة كيف لا يلقون أسلحتهم أمام الطفولة) .
. الرواية تتحدث عن بلدٍ أصبح فيه الطغيان يخلقُ طغيان ، سجان يسجنُ سجان ، أما المثقف فهو دائما يحلمُ في قانون إخدم نفسك بنفسك ، مثقفُّ يقول الى ربه بعد الجزع واليأس ، ربي أنا لاأريد ملائكة في جنتك تحرسني أو تقدم لي ما لذ وطاب ، أنا أريد تناولَ كأسي بنفسي على طاولة البار دون خدمٍ يدورون حولي .
نبيل تومي يكتب عن تلك الأيام التي إحتوت كل عصارة أخلاق العراقيين في ذلك الزمن والتأريخ المخمليين والعلاقات المنسجمة بين المرأة والرجل بشكلها الحميمي الصادح رغم قساوة الجلواز التي ساقت الشرفاء والأبرياء الى منحرهم الظالم لا لشيء الاّ لكونهم عشقوا أوطانهم حد الفداء والتضحية مثلما فعلتها أم المناضل الشهيد (محمد الخضري) وهي تدافع عن إبنها أمام القاضي بعد الحكم عليه فتقول له( على الله ومايخالف … تنكضي وتصبح سوالف) فسجنها سنتين بعد إن اعتبر هذا الكلام تهديداً للنظام الحاكم .
موسومية الرواية (العائم) وكإنها توحي لذلك السجين الذي عام ونجا من بحر الدم النازف والعبيط بفعل أداة التعذيب وبعثرة الجسد . ولذلك تجعلنا أن نكون في كامل تعضيدنا مع كل الشخصيات التي طعنت من وراء الظهر ، المغدورة في أوان الفعل وهي دائما على حق مهما كانت الأسباب حتى لو جردناها من النوايا التي أدت الى غدرها ، ولذلك تجتمع الكثير من العناصر الحيوية وغير الحيوية في نصرتها . ينصرها ويبكيها ذويها أو حبيبها أولاً وقبل كل شئ ثم تأتي المتعلقات الأخرى، الرصيف يشتاق لغيابها لكونها واحدة من السابلة الذين مروا فوقه وتركوا آثار أقدامهم وذكراهم وأحزانهم وهي لاتعرف الى أين المسير في حلكة الدروب العسيرة ، علما أن الحياة مهما طالت أو قصرت فهي نسبية دائما لأنّ جميع بني البشر هم لاحقون ببعضهم البعض إعتمادا على ماقاله عمر الخيام ( وكم تساوى راحلُ في الثرى غدا / وراحلُ منذ آلاف السنين ) وهكذا هو مسرح الحياة ، الذي لانعرف من خلاله بشكل أكيد السؤال الذي يقول : لماذا جئنا اليك أيتها ألأرض وماهو هدفنا إذا كنا راحلين حتما ؟.
العالم يحكمه العنف والقوة ورأس المال ، ولتذهب القيم التي مات من أجلها الكثيرون ممن أرادوا بناء الإنسان على أحسن وجه فمادام صاحب رأس المال هو الذي يسن القانون لصالحه فلسوف تبقى الطبقات المعدمة هي الخاسرة على الدوام في ظل عالم دنيء صرخ بوجهه ذات يوم الروائي الشهير (ليون تولستوي) الذي وزع ثروته على المسحوقين مما أدى الى نشوب صراع دائم بينه وبين زوجته حتى مماته .
رواية (العائم) رغم مألوفية احداثها الاّ أننا نستطيع العودة اليها أكثر من مرة وبنفس البهجة والاستمتاع .انها نقطة الإرتكاز لاصلاح الاحوال المجرمة لدى حكامنا . أراها جذلى لما فيها من الأمكنة والزمان والناستالوجيا والحديث عن الطبيعة البسيطة وانزياحات تنقلنا الى عوالم الأمس الساحر ومامدى تأثير تلك الشخصيات العالقة في الأفق لكنّ الموت المارد نتيجة التعذيب الماحق جعلها تتغيب عنا وتتوارى في التراب والى الأبد . بل وكأنهم أرادوا إيصال لغة الموت وحب الفداء كما الهنود حين يعتبرون الموتى فقط هم الشجعان لأنهم يذهبون الى السماء .
الصرح الروائي للعائم يذكرني بما كتبه الفرنسي (فولتير) في روايته الشهيرة ( كانديد) عن الثمن الذي يدفعه العامل في معامل السكر في أوربا ، وكيف يعاقب قانونياً بقطع ساقه إذا مادعست قطعة سكر ، أما نحن وفي سجوننا فيمزق المرء الى اِشلاء إذا دعسَ دون قصدٍ شعارا من شعارات البعث في لافتةٍ بائسة . ومهما يكن من أمر فأوربا مضت قدما في تخطي الظلم وأصبحت في مدارات الحرية بعد إن زبِلت كل حقير على هامش الذاكرة ، أما نحن فلا زلنا على نفس المسرح وكواليسه وما يُخطط به من الخافيات لدمارنا .
تناول الفيض الروائي قضية الدفاع عن الشغيلة بإطارها العام لكن الروائي نبيل تماهى بشكل كبير مع ماحصل من قهر على الأنتلجنسيا ( Intellegentia )هم الطبقة الإجتماعية التي تساهم في عمل فكري معقد يهدف الى تشكيل المجتمع باقتصاده وسياسته ، وهذه تشمل معلمي المدارس والأكاديميين والأطباء والفنانين وغيرهم ممن يطلق عليهم بالنخبة المثقفة الذين لهم دورا مهما في تعزيز حركات المجتمع المتخلفة وهذه ظهرت في باديء الأمر في بولندا وقد استعير المصطلح من الفيلسوف الشهير (هيغل ) في القرن التاسع عشر . ولذلك نرى السبك الروائي عبارة عن تجميع ماكتبه السجناء المثقفون عن حياتهم فيما يسمى أدب السجون وصاحب فكرة تاليف الكتاب هو كل من بطل الرواية (أبرم) مدرس الفيزياء الذي قطعت أصابع يديه وقدميه ويساعده في ذلك صديقه( محسن) و(الهام) خطيبة المهندس (المهزوز) والرفيقة (مريم) زوجة الشهيد صديق ( أبرم).
في مكنونات الروي السينمائي نجد هناك رسالة بسيطة في علم النفس وبواطنه ومايتلقاه المسجون السياسي من تفتيت لرأسه ومايحمله من حب للوطن والحبيب ، يُحطم وهو أمام سجان أخطبوط مارد يمتلك الأذرع العديدة في الضرب واللكم حتى يغدو السجين منشلاً مصابا بالرهاب وأحيانا يمر وقت موتهِ عليه مراراً ومراراً دون أنْ ينتبه .
رواية بمختصرها عن السجناء الذين نالوا أقسى أنواع التعذيب وتتفاوت نسبة التحمل والصمود بينهم فمنهم من أستشهد وتعوّق ومنهم قد خارت قواه والتي نراها في الشخصية المحورية في الرواية التي تكاد تطغي على بطل الرواية (أبرم) وهو السجين الملقب بـ(المهزوز) الذي لم يتحمل التعذيب فسقط من أول هراوةٍ من الجلاد وظل هو الوحيد المدلل بين سجانيه وبقي يكذب على رفاقه من أنه البطل الصامد لكن حبل الكذب لايدوم كما يقول إبراهام لنكولن (تستطيع أن تخدع كل الناس بعض الوقت ، أو بعض الناس كل الوقت ، ولكنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت) . فالكذب لم يستمر مع (المهزوز) حتى إنكشف أمره بالتخاذل في أسرع وقت بينما كان يحسب له الف حساب من كونه المثقف الشجاع والمثل الأعلى في التضحية وهذا الرجل ( المهزوز ) خطيب( إلهام) يكون سببا في موت رفاقه لإعترافه عليهم ومن ضمنهم صديقه زوج المناضلة ( مريم) وهذا الأخير هو الذي أطلق عليه تسمية (المهزوز) فلقب في السجن بهذا الإسم المخزي و عند خروجه من السجن سليم معافى لايشكو من شيء أصيب بمرض نفسي أدى به الى الإنهيار لكنه ظل يتردد على المقاهي التي كانت ملتقى للرفاق سابقا لعله يشرح لهم وضعه وحالته النفسية التي تكاد تفتك به لكنه يواجه الجفاء وعدم القبول أحترازا منهم لكونه أصبح عميلا للسلطة فبقي على اسمه المهزوز في السجن وخارجه . فيشرح لنا الروائي بسرد حزينٍ وشيق عن حالة هذا المهزوز بعد الإفراج عنه والذي أصبح لايبغي منالاً غيرالإستمرار بالحياة والزواج من خطيبته فهي الدواء المشافي لكل علته لكنه لم يفلح أيضا نتيجة اللعنة ومحاسبة الضمير الديستويفسكي التي حلت به من جراء تخاذله وضعفه بينما رفاقه قدموا أعظم البطولات واستشهدوا أمام مرآى عينيه ، وأصبح في حالٍ قلقٍ كمن قتلَ قتيلاً وعليه إخفاء جثته ، فظلّ يعاني من عذاباته وإقترابه من الموت المذل . انه الآن بحاجة الى خطيبته والى ذلك العون العاطفي الذي قال عنه أتيل تايمور (حب المرأة في الرجل أن يكون في حاجة الى أم ترعاه) .
يتحدث الروائي عن الحب حيث تتزاحم أحلام الصبايا بالمناكب الرقيقة وكيف لها أن لاتتزاحم وهي ترى حبيبها من يوصفها بتلك النسائم العذبة ، وكيف لها أن لاتزدحم وهي ترى المعشوق العارف بالورود والأشجار والزنابق وأين تكمن الأفياء والشموس كي يسلطها عليها في وقت أعراسها بأحلى الفساتين وأغلى قلائد الأعناق .
يستمر الروائي بسرده البانورامي عن هذا الحب بين المهزوز وخطيبته التي لاتعرف ماهو مرض خطيبها بعد خروجه من السجن معافى على عكس صديقه أبرم الذي خرج معوقا من آثار التعذيب . يتذكر المهزوز تلك الايام الخوالي حول الحب الندي في أول أيامه والذي نراه يشعشع بينه وبين حبيبته ( إلهام) على غرار ما كنا أيام الصبا وكيف نحمل في دواخلنا الكثير من الكلام لنمطره عليها زخا مطريا ثقيلا ولكنها حالما تقف بجوارنا بكل إنوثتها وجمالها تضيع جميع ما حملناه من كلمات شفافة براقة ولم يبق غير الخجل والذهول من سحرها . حب يوضح لنا كيف انَ القلب احيانا يستحيل الى جنح فراشة غض ، بينما الآخرون حجارة جلمود ، فأين هذا من ذاك ، فحتما حين يخفق القلب يشتهي أن يتخذ مكانا شمسيا بغية الدفء مع الشعور بالشوق الى ضمة حبيب أو قبضة يدٍ حانية فيكتمل المشهد الرومانسي الحالم بغد افضل . لكننا مرغمين لاطائعين على سوء الحظ حين يسقط فوقنا بكل ظلامه فتنكشف الهوة القبيحة للجحيم وتنكمش أجسادنا مثل القنافذ الخائفة . وتظل المرأة زهرة في أعالي الكستناء ومبارك له من يستطيع قطافها بطريقة ترضيها وتجعل منها أميرة فوق حصان يصهل بالحب والإبداع والجمال . وبين هذا وذاك تصطدم المرأة كما (إلهام) دون دراية منها وبعد فوات الآوان والمضي في حلاوة الحب الحقيقي ، فتجد نفسها وكإنها أمام مقولة جيفارا العظيم ( لا تعشقي ثوريا ، سينساك ويفكر في العمال الكادحين ، سيحدثك في ليالي الرومانسية عن الأرض والخبز والسلام ) .
إلهام حين كان خطيبها في السجن كانت تنظر له وكأنه على خطى ناظم حكمت حين كان مسجونا ويبعث لزوجته (منور) عن الصمود والتحدي فيكتب لها ( كوني على ثقة يا حبيبتي أنهم عبثاً سينظرون في عيني ناظم الزرقاوين ، وإذا ما حاولت يد غجري تعس شبيهة بعنكبوت أسود أن تضع الأنشوطة في عنقي لكنهم لن يتوصلوا إلى اقتلاع رأس الإنسان بالسهولة التي يقتلعون بها رأساً من اللفت ) . لكن المهزوز تبين متخاذلا ضعيفا لايقوى على تحمل التعذيب فخرج من السجن ذليلاً محطما بائساً ومنتحراً في نهاية مشواره المؤلم .
خطيبة المهزوز تعرف أخيرا عن طريق ( أبرم) وهو يروي قصة المهزوز وتخاذله أمامها وأمام رفاقه دون أن يعرف من إنها خطيبته ، فتنكشف لها حقائق خطيبها المزيف مدعي البطولة لكنه في الحقيقة جبان تافه مما يؤدي بها الى الهلاك العصبي والخيبة والأسف نتيجة ضياع حلمها المنشود ، وأخيرا تستفيق فتعلن البراءة منه وفسخها للخطوبة وترسل له رسالة تأنيب وتنكيل وتشرح له عن زيفه وبطولاته الخاوية التي كان يقصها عليها . المهزوز يقرأ الرسالة فتضيق الحياة بعينيه لأن آخر الآمال الجميلة في حياته قد انتهى ، فتخمد حواسه وتنهزم رغبته عند المرض ، فيبدأ برسم مخطط لحياته المأساوية القادمة حتى ينتهي به الأمر منتحراً بتناوله أقراصا من الحبوب تؤدي الى موته ، وهنا نجد البكائية القدرية التي جسدها ( المهزوز) في أنه حتى في تدمير الذات هناك لذة بل هناك متعة هائلة . وبهذا تسدل الستارة على رجلٍ كان المفروض له أن يكون مناضلا حقيقيا لكن التعذيب والحق يقال في مسألة تحمله يختلف من شخص لآخر فهنا الجسد هو الذي يقرر وليس الفكر ومايحمله المرء من قابلية للتحمل والصمود .
في الأخير يجد كل من أبرم ومحسن قصاصات ورقية للمهزوز عن مذكراته كان يكتبها بعنوان ( كتابات من دفاتر ناقصة) ، فيقرؤون معاناته في أيامه الأخيرة فيقول في أحد سطوره ( أهكذا أظل أصارع بالضرورة مع كياني طوال الوقت ودون جدوى ، متى أهدأ ومتى أستكين ، تشملني الوحدة المهينة وكل الاشياء تعلن رفضها لي ، وأتعجب كيف ستكون النهاية ) ثم يردف مرةأخرى ( لم لا اذهب الى العالم السرمدي ، عله يكون أفضل وأجمل من عالمي القذر هذا) . إنفعالات نفسية هائلة إستطاع الروائي نبيل أن ينقلها وكأنه الطبيب النفسي العارف بمجاهيل الأمور ، أو أنه كما ذلك الشخص الذ قال عنه لينين العظيم ( من يفكر بوضوح يعبّر بوضوح) . إرهاصات تفتك بضمير صاحبها تدريجياً حتى تقذف به الى هاوية الخلاص التي عندها يكون المستقر والراحة التامة ، لواعج مدمرة كتبها الروائي بقدرة مذهلة على الوصف الميتا سردي والدراما التي تنم عن كونه عاش الأقبية وجدرانها وتحاورمع سجانيها ، بل كان بطلها. وكيف لا فهو المحكوم مرتين بقطع العنق علاوة على مالاقاه من حنظل الترهيب وآهات مظفر النواب حين يشدو(ستبقى ياوطني ناقلة للنفط / مدهّنة بسخام الأحزان / وأعلام الدول الكبرى / ونموت مذلة ) .
تنتقل بنا الكاميراالروائية الى أبرم ، حيث يشعر بألم كبير بعد قراءة مذكرات المهزوز ومعاناته وعقابه لنفسه بالإنتحار ، ثم يعرف من انّ خطيبة المهزوز هي ( إلهام) التي كانت جالسة ذات يوم بإسم ( سمر) وهو يروي على رفاقه قصة المهزوز في السجن فيعترف أبرم بحجم المأساة التي مرت على المهزوز ، ويؤازره بذلك صديقه محسن ، فتأسفوا على رجلٍ ضاعت سيرته الحقيقية المناضلة تحت وطأة الألم المخيف ، وإنهم ربما ساهموا في قضية إنتحاره دون درايةٍ منهم بمكانة وعفة هذا الرجل المهزوز ومعاناته ، وهنا نستطيع القول ، كإن الواحدَ فينا أصبح ظالماً ولكن على قدره وحجمه وهذه مأساة أخرى خفيّة تتغلغلُ في النفوس عنوةً .
يموت (أبرم) من المرض وهو في ساحة المدرسة وفي أحضان صديقه محسن أثناء بدء التغيير الجديد وسقوط الديكتاتورية والثورة المسلحة وحصاد ماكان من ألم وتضحيات سار عليها الرفيق أبرم ورفاقه العظام ، وهنا يعطينا الروائي نبيل رسالة مفادها انّ موت الأبطال لاينهي الفكر والأبستيمولوجي في رؤوس الجمع المتبقي كما قالها يوما الروائي الجيكي فرانس كافكا ( أنك وحدك من يحمل الفكرة في رأسه ولا أحدُّ سواك ) وإعتمادا على معنى هذه المقولة الشهيرة بني له تمثالا ضخما في براغ يزوره ملايين السواح على مدار السنة . فبموت ( أبرم) بقيت على دربه ملايين الشجعان فهم كما الأثل الأخضر بموجه الذهبي تحت شموس الأوطان .
أخيرا أقول أطنان من الحب لما قدمه لنا نبيل تومي من روائع تستفيق لها الأنفس النائمة ، عرّفنا بوحوش وتماسيح السلطة المنفلتة ، التي تريد إبتلاع الوطن ، الذين جاءوا لنا من تسلّل ومع ذلك أرادوا إلقاء هدفهم في مرمانا . رواية حالمة تستيقظ لها الضمائر الحية التي ربما تغفل في فترة ما عن جادة الصواب فتستنير بها الذاكرة المتناسية ، تستطيب بها الروح لمافيها من الحقائق الوجدانية والرغائبية ، أو التي تمارس في الخفاء عند فناءات الأقبية المتعفنة بالدم ولم يصدقها البعض وهذه كلها شكلت الملهاة والملحمة الحقيقية لجوهر العائم .
في النهاية ليس لدي ما أقوله سوى أنني وجدتُ الروائي نبيل تومي في القلب الصديع للروائي العراقي محسن الرملي في روايته البديعة ( الفتيت المبعثر) الحائزة على جائزة أركنسا الأمريكية لعام 2002 والتي يقول فيها ( حين يكون الوطن خوفا، جوعا، وحاجة ، ويحاصرنا ترهيب الطغاة ، وحين تُلبس الحروب أكاليلَ عرسٍ لشبابها ، سنجد أرضنا وأوطاننا تضيق علينا كقبرٍ مظلم تخنقنا تحت رمالها ) . وبين كل هذا المسلخ البشري أرى نبيل تومي ولسان حاله يردد بما قاله أحدهم (التفاؤل هو الغضب الذي نقول فيه .. كل شيء بخير .. في حين هو أنّ كل شيء سيء ) . ويبقى نبيل تومي مناضلاً رجلاً في مركز الكون وليس على حافة الكنبة ، في بيته السويدي حيث الصقيع لم يجعل منه متكاسلاً باردا ، بل هو المدير المفوض للإنتخابات في أفريقيا ، هو المقارع الذي إستطاع أن يمد يديه في عمق الهواء ليشعر بحجم وجوده السارتري كي لايسقط من زجاج القطار ، فأنتج لنا رائعته الروائية هذه ، ليبقى حياً في صالة إنعاش الخلود .

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Copyright © 2018 by Lalish Media Network .   Developed by Ayman Qaidi.