سبتمبر 18, 2019

Lalish Media Network

صحيفة إلكترونية يومية تصدر باشراف الهيئة العليا لمركز لالش الثقافي والاجتماعي في دهوك - كوردستان العراق

نصر حاجي خدر: المناضل والقاص والصحفي جمعة كنجي 1933 ـ 1986

ليس من السهل ان يقوم الباحث بجمع تراث إنسان ظل يكتب بلا انقطاع منذ سن مبكرة وحتى دقيقة وفاته في وضح النهار وعلى يد جلاوزة النظام المنهار .

لقد ترك جمعة كنجي تراثا إنسانيا كبيرا بعضه منشور وبعضه الأخر مازال مخطوطا ومفقودا، وكتب في موضوعات شتى منها (( ألأدبية والسياسية والتاريخية والصحفية))، إذ كان قد أمضى جُل سني حياته المضّنية يعمل في مجال الكتابة والأدب من كتابة القصص والقصص القصيرة وقصص الأطفال و المقال السياسي والى الكتابة في مجالات عديدة تاريخية وتراثية ودينية، ومن جهة أخرى كان مولعاً معجباً بالصحافة باعتبارها فسحة واسعة للتحرك والكتابة ونشر الأفكار.

ولد المناضل والقاص والصحفي في كنف عائلة فقيرة الحال كانت تعمل في الزراعة وتمارس بعض المهن الشعبية مثل صناعة زيت الزيتون والصابون في عام 1933 في قرية بحزاني وتربى ونشأ في قريته والتي أحبها كثيرا وتكتب بعض القصص عنها وعن أثاره وتعلم في مدرستها الابتدائية ومن ثم أكمل دراسته المتوسطة في مدينة الموصل، ومنذ ان كان طالباً في الاعدادية نمت لديه موهبة الكتابة والخطابة حيث كان عضوا في لجنة الخطابة في مدرسته، وأنهى دراسته الإعدادية وتخرج من الفرع الأدبي سنة 1953، وبدا الكتابة والنشر في عام 1954 ومن ثم التحق بالدورة التربوية ليتخرج منها عام 1954 وبصفة معلم، وكان أول تعين له في سلك التعليم في عام 1956 في المدرسة الابتدائية في قرية باعذرة التابعة لقضاء الشيخان، وهو من الجيل الثاني من المعلمين الايزديين الذين تخرجوا في حينها، وبحكم العمل الوظيفي انتقل للتدريس في عدة مدارس في قضاء سنجار والموصل، و كان هذا حافزا له للاطلاع على حياة الناس عامة والفقراء منهم خاصة ومن ثم استخدام وسخر بعض الرموز والأشخاص والأماكن من تلك التي زارها و التي تعرف عليها و كسب صداقاتها في إعماله الأدبية، حيث كتب عدة قصص قصيرة في باعذرة وسنجار و وصف بيئتهما في الكثير من قصصه لينقل معاناة أهل الريف الفقراء والمهمشين والمظلومين والبعيدين جدا عن تفكير من كان يحكم العراق في ذالك الوقت، كتاباته عن الريف كانت في زمن انشغال أهل المدن وساستها بالصراعات السياسية والحزبية والانقلابات العسكرية التي حدثت في العراق آنذاك، ترجم هموم ومعاناة الإنسان وواقع الحياة الصعبة والمضنية التي كان يعيشها في تلك الأصقاع إلى إعمال أدبية رائعة وكانت موضع فخره واعتزازه دائماً حيث لم يكن إمامه وهو كانسان وكاتب خيار أخر أو سلاح يحمله للدفاع عن مظلومية هؤلاء الناس سوى الكتابة عن حياتهم وتمجيد بطولاتهم والإشادة بمواقفهم الحسنة, و ربما يكون اندفاعه للكتابة عن الفقراء والانحياز الواضح لهم ناتجاً من شعوره الذاتي والنابع من أفكاره السياسية التي كان يحملها و التي كانت تدعو لتحرير الفلاحين وفك عبوديتهم من أيدي الاقطاعيين الذين كانوا مسيطرين على عصب الحياة في الريف كذالك طالب في كتاباته الصحفية والأدبية بإنصاف العمال وإعطائهم حقهم وتعامل معهم كأناس أسوة بالآخرين من أهل المدن.

كنجي كان سياسيا محنكاً يشهد له أعداؤه قبل أصدقائه، ووقف عدة مرات بوجه مليشيات الحكومة الملكية ودخل السجون والمعتقلات، انتمى لصفوف الحزب الشيوعي في وقت مبكر من حياته وانخرط في النضال السياسي منذ شبابه والتحق بصفوف البيشمه ركه في عام 1963 ليكشف عن نضاله المسلح هذه المرة بوجه الطغاة والحكام المستبدين بعد ان لم يجد سلاح الكتابة ضدهم نفعا، ونشر العديد من المقالات السياسية التي كانت تناصر الشعب العراقي في انتصاراته في “جريدة فتى العراق” و منها مقال كان له صدى كبير وواسع تحت عنوان (( أين كنا وأين أصبحنا وكيف )) و هذا المقال كتب على اثر قيام ثورة 14 تموز 1958، ونشر العديد من المقالات في جريدة كاروان وطريق الشعب واتحاد الشعب، وفي مجال الأدب والقصة القصيرة طبع له مجموعات قصصية بعنوان (الثور المجنح) وقصة (الفلاح) وقصة (ذالك المسافر)، ونشر العديد من قصص الأطفال من خلال دار ثقافة الطفل في عام 1985 وهو أول أديب كوردي إيزدي يكتب في مجال القصة والقصة القصيرة وقصص الأطفال ولحد ألان ولم يظهر أديب أخر يمكن له ان ينافس كنجي أو يحاول ان يأخذ الصدارة منه، وتميز أسلوب كنجي الأدبي بالبساطة وعمق الأفكار وبالواقعية وكل إبطاله هم من الفقراء واحدث قصصه تدور في بيئتهم ومحصلته النهائية هي طرح معاناة الفقراء والبسطاء من الناس، كان يرى في نقل هموم هؤلاء الفقراء نقل هموم أبناء جلدته الذين كانوا يعانون من ذات الظلم و الاستغلال الطبقي، ومن يقرأ لكنجي يشعر بأنه يحمل بيده كأميرة تصوير ويركض وراء الأشخاص كي يرصد كل حركاتهم و الأجواء التي تحيطهم والتي يتحركون بها ويصف المكان بكل تفاصيله، ومن جهة أخرى نرى الصراع الداخلي والنفسي الذي يعيشه البطل وكأنما نحن نعيش الحدث أو نحن إبطال هذا الحدث وربما تقرا له ساعات طويلة دون ان تشعر بالممل أو الضجر منه، مرة يشبعك ضحكاً وسروراً ومرة أخرى يشبعك حزناً وقهراً وهذه سمة الأديب المتمكن من أدوات عمله والذي يعرف كيف يسخر الكلمات لخدمة النص ومن اجل طرح فكرته و يتحكم بمشاعر وأحاسيس قارئه كي تتفاعل معه ومع قصته ويترك في داخل القارئ الكثير من الأسئلة العقلانية والتي تحتاج من يجاوب عليها.

و عمل في المكتب الصحفي لجريدة طريق الشعب في مدينة الموصل لفترة طويلة ومن خلالها عرف كقاص وأديب موصلي، ونشر العديد من البحوث في مجلة التراث الشعبي منها (( صناعة الصابون في بعشيقة، والعلاج الروحي عند الايزيدية، والملابس الشعبية عند الايزدية، وكذالك بحث عن أهم الأعياد والطقوس الدينية عند الايزيدية))، وألف كتاباً حول الديانة الايزدية لكن فقد (ولم ير النور)، وفقدت معظم كتاباته ومخطوطاته إبان تهجير عائلته إلى جبال كوردستان التي التحقت بالأنصار كي تناضل مع باقي الرجال الإبطال و الشجعان في تلك الجبال من اجل إسقاط الدكتاتور، اعتقل وسجن عدة مرات ومنع في الأخير من النشر بسبب أفكاره السياسية وكذالك منعت مجاميعه القصصية من البيع، وقدم أغلى ما يملك فداء للوطن حيث تعرضت عائلته للإبادة الجماعية في عملية الأنفال (سيئة الصيت) في عام 1988 في منطقة بهدينان وكان من ضمنها (زوجته وأبناؤه الثلاثة ووالدته العجوز وشقيقته و أولاد أخيه و والدتهم) بعد تهجيرهم من قريتهم بحزاني إلى جبال كوردستان الشماء، وبعد استدعائه من قبل جهاز الأمن في مدينة الموصل وتحت التعذيب تعرض لنوبة قلبية أوقفت قلبه الكبير وقطعت تدفق ذالك الرافد الثقافي والفكري عن العطاء وتوفي بتاريخ 18/10/1986 ودفن جثمانه الطاهر في مسقط رأسه في بحزاني.

 

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Copyright © 2018 by Lalish Media Network .   Developed by Ayman Qaidi.