أغسطس 06, 2020

Lalish Media Network

صحيفة إلكترونية يومية تصدر باشراف الهيئة العليا لمركز لالش الثقافي والاجتماعي في دهوك - كوردستان العراق

خيري ابراهيم كورو: البيريسترويكا الايزيدية، تفكيك المقدسات وإعادة البناء

البيريسترويكا الايزيدية، تفكيك المقدسات وإعادة البناء

خيري ابراهيم كورو

مرت الديانة الايزيدية بمراحل كثيرة حتى وصلت الى ما وصلت اليه الان. وفي كل مرحلة من هذه المراحل ولتي غالبا ما كانت تبدا بعد فرمان من الفرمانات الكثيرة التي تعرض لها الايزيديون كانت هناك اعادة بناء للتكيف والتأقلم مع الواقع الجديد الذي نشأ. واعادة البناء هذه لم تكن بالأمر السهل إذ كانت تستوجب تفكيك الكثير المفاهيم والافكار حول الكثير من المقدسات والحقائق والبديهيات وإعادة صياغتها بما يتلاءم والوضع الجديد. والتي كثيرا ما كانت تفضي الى انشاء دين جديد تماما على انقاض الدين القديم.  

نحن الآن في خضم بداية مرحلة جديدة، حيث كل شيء بدا يتغير، كل شيء اصبح مشكوك فيه، فالمقدس لم يعد مقدسا كما كان والمدنس لم يعد مدنسا كما كان، والمحترم لم يعد محترما كما كان والتافه لم يعد تافها كما كان. فعن طريق فيديولايف واحد او منشور واحد على وسائل التواصل الاجتماعي يمكن ان يتحول المقدس الى مدنس والمحترم الى تافه والبطل الى جبان وبالعكس، وحالة الصيرورة هذه التي يعيشها المجتمع الايزيدي الآن يمكن ان تفرز واقعا جديدا كليا في المستقبل بعيدا عن كل التوقعات والتكهنات.  

فالبيريسترويكا الايزيدية الجديدة لا تعترف باي حدود ولا تتبع أي منطق ولا ترضخ لأي قانون، فهي حالة من الفوضى العارمة، حالة من الهدم والتفكيك والتشويه العشوائي لكل ما هو مقدس واعادة البناء بطريقة فوضوية في كل الاتجاهات والتي ستنتج عنها في المستقبل ديانة ايزيدية ذات جوهر وشكل مغاير تماما وتختلف اختلافا كليا عن الديانة الايزيدية التي كانت قبل 2014.

وبإلقاء نظرة سريعة على ما ينشر في وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية وما يعرض في وسائل الاعلام أو ما يتداولونه في المجالس، نستطيع ان نميز خمسة توجهات او مجموعات او تيارات تعمل ضمن هذه البيريسترويكا او اعادة البناء وهي كالاتي:

1 – تيار المحافظين الجدد او ( المتشددين):  يزعمون انهم متمسكون بكل ما جاء به الشيخادي وما جاء بعده من اولياء ومراسيم وشعائر ونصوص مقدسة ولكن على طريقتهم وحسب تفكيرهم ووجهة نظرهم الخاصة. وهم مغالون جدا في آرائهم. ويؤسسون لأفكار ومفاهيم غالبا ما تكون غير منطقية، لكنهم يزعمون انها تستند الى النصوص المقدسة طبعا حسب رؤيتهم وتفسيرهم لهذه النصوص، وكثيرا ما يسيسون المواضيع الدينية كعلاقتها بالقومية وما إلا ذلك. ويصفون كل من لا يتفق مع وجهة نظرهم بالخيانة والكفر والخروج عن دين الاباء والاجداد.

2- تيار الديزم  او (الربوبيون) : وهو تيار حديث نسبيا ولكنه يشمل شريحة كبيرة من المجتمع الايزيدي. يرفضون كل المقدسات والمعجزات وبالتحديد كل ما جاء به الشيخادي وما جاء بعده من اولياء ومراسيم وشعائر ونصوص مقدسة ويؤسسون لمفاهيم عامة ترتبط بعبادة الله وحده وانكار كل الانبياء والاولياء والكتب المقدسة والمعجزات وما الى ذلك، ويهدفون الى تفريغ الديانة الايزيدية من العبادات والشعائر والمراسيم الدينية إلا ما ارتبط ببعض المعتقدات القديمة كالسومريين والميثرائيين وغيرهم. ويصفون كل من لا يتفق مع وجهة نظرهم بالغباء والجهل والتخلف.

3- تيار الفانتازيا أو (الخياليين): وهو تيار يعتمد في عرضه للايزيدياتي على الخيال او الفانتازيا. فعندما يتحدث هؤلاء عن الايزيدياتي او الشيخادي او النصوص المقدسة او الاعياد يخيل اليك انهم يتحدثون عن ديانة ما موجدة في المريخ او في كوكب آخر غير الارض او في عالم روحاني آخر فيما وراء الطبيعة. حيث نسمع مصطلحات غريبة عن موضوع الدين والمجتمع الايزيدي كالمستويات المقدسة والابعاد الوجودية والسفر عبر الزمن واناس غرباء من كواكب اخرى واشياء اخرى كثيرة من هذا القبيل تأخذك الى عالم غرائبي عجائبي مليء بالإبهار والغموض والاسرار التي لا يفهمها غيرهم. يتصف اتباع هذا التيار بالتبجح بانهم يعرفون كل شيء عن الايزيدياتي وهم خبراء في هذا المجال وان الاخرين لا يعرفون شيئا ويجب ان يتعلموا منهم.

4- تيار الواقعيين أو ( المنطقيين): وهو تيار ذو تفكير واقعي او منطقي كما يزعمون ويعتمدون في عرضهم للايزيدياتي على ما موجود او على ما بقي من النصوص الايزيدية المقدسة والمعلومات التاريخية المتوفرة عن الايزيدياتي، وهم يؤمنون بكل ما جاء به الشيخادي والنصوص المقدسة، طبعا حسب فهمهم وتفسيرهم( الواقعي) لهذه النصوص وتكيفيها مع المنطق، ويولون اهتماما كبيرا بما موجود من معلومات تاريخية عن الايزيدية قبل مجيء الشيخادي. ولكنهم يعتقدون ان الديانة الايزيدية ونصوصها المقدسة تعرضت الى تشويه وتغيير كبير نتيجة ما مرى به الايزيديون من كوارث وفرمانات خلال تاريخهم الطويل ويجب اعادة النضر في الكثير من المواضيع او البديهيات لوضع الامور في نصابها الصحيح بشكل يتلائم مع عصر العولمة الذي نعيش فيه. يصفون انفسهم بالاكاديميين او الباحثين ويعطون لأنفسهم بعض التميز عن الاخرين، لكنهم يحترمون كل الآراء ويناقشونها بأسلوب هادئ بعيدا عن التعصب والتكبر او تخوين الاخرين.  

5- تيار المترددين او (السائرين مع التيار): طبعا هنا يجب نشير الى وجود شريحة كبيرة من المجتمع الايزيدي خارج نطاق هذه التيارات الاربعة، وهي شريحة نستطيع ان نقول انها مترددة فهي مع هذا التيار تارة ومع الأخر تارة اخرى، أي ليس لديها موقف ثابت من الدين او من الاحداث بصورة عامة. وغالبا ما تكون لهذه الشريحة مواقف ارتجالية تعتمد عل الوضع السياسي او الاحداث الاجتماعية. فهو تيار مع الجميع وضد الجميع.

الصراع بين هذه التيارات اصبح يتجذر شيئا فشيئا واعادة البناء ومحاولات التأسيس لرؤى وافكار وتوجهات دينية جديدة بدأت وتجاوزت خط الرجعة ولا احد يستطيع ايقافها، وستعيد بناء الايزيدياتي لتأخذ جوهرا وشكلا ووجها جديدا وفقا لما ستفرزه حالة الصراع بين التيارات التي ذكرناها. ما نحن بحاجة اليه الأن كديانة هو قيادة ايزيدية دينية تملك رؤى ووعي استراتيجي لإدارة هذا الصراع وتوجيهه بشكل يخدم الايزيديين والايزيدياتي. السؤال هنا: هل لدينا مثل هكذا قيادة او ستكون لدينا؟ ان كان الجواب لا! وهذا ما اتوقعه!!، فنتيجة البيريسترويكا او اعادة البناء هذه ستكون مذاهب وطوائف وفرق تتصارع فيما بينها كما يحدث الآن في الديانات الاخرى. فهل تتحمل الديانة الايزيدية هكذا انقسامات وصراعات طائفية وهي بعددها وحجمها المعروف؟!. 

[email protected]

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Copyright © 2018 by Lalish Media Network .   Developed by Ayman Qaidi.