يوليو 07, 2020

Lalish Media Network

صحيفة إلكترونية يومية تصدر باشراف الهيئة العليا لمركز لالش الثقافي والاجتماعي في دهوك - كوردستان العراق

د. عقيل عباس: العلمانية في مرمى الفهم العربي

العلمانية في مرمى الفهم العربي

د. عقيل عباس

ليس ثمة مفهوم تعرض للتشويه وسوء الفهم في السياق العربي عموماً، والعراقي خصوصاً، مثل مفهوم العلمانية. تُفهم العلمانية في هذا السياق على أنها أسلوب حياة شخصي سيء يرتبط بالانحلال السلوكي والافتقار إلى القيم الأخلاقية الرصينة.

فالعلماني المفترض هنا لا يمتلك أي وازع أخلاقي أو ديني أو إنساني يردعه عن ارتكاب الأفعال الآثمة والشريرة، فكل شيء مباح له. ولذلك يُفهم “العلماني” عربياً على أنه المعادي للدين والنقيض التام أو الخصم اللدود للشخص المتدين.

في الحقيقة، لا علاقة للعلمانية بالسلوك الفردي أو الإيمان الشخصي، لا تديناً ولا إلحاداً، ولا صلةَ لها لا بالرِفعة أو الوضاعة الأخلاقية للمرء، لأنه باختصار ليس للعلمانية محتوى سلوكي أو أخلاقي معين، لا سلباً أو إيجاباً. هذا الفهم الأخلاقي للعلمانية مرتبط  بفهمٍ مغلوطٍ آخر لها وهو افتراض أن العلمانية هي منظومة فكرية أو رؤية أيديولوجية أو سياسية للعالم تنظم حياة المرء ولديها صورة مقترحة للحياة تسعى لتطبيقها.

 بعكس القومية أو الشيوعية أو الإسلاموية التي هي منظومات فكرية وسياسية لفهم العالم وتنظيمه، لا تمتلك العلمانية مثل هذا الإطار الأيديولوجي، فليس لها مثلاً، بخلاف القومية والشيوعية والإسلاموية، آراءٌ في الاقتصاد والسياسة والمجتمع أو في كيفية تنظيم العلاقات بين الدول أو حل النزاعات بينها. كما أن العلمانية لا تقترح شكلاً معيناً للدولة أو سياساتٍ محددة تروج لها وتدعو إلى اتباعها بوصفها صحيحة.

العلمانية، بمعناها الدقيق، هي آلية مؤسساتية مهمتها الوحيدة هي ضمان حياد الدولة إزاء أديان مواطنيها، بمعنى عدم تفضيل الدولة لمعتقد ديني أو تبنيه إزاء معتقد آخر. فمثل هذا التبني يقوض مبدأ المساواة القانونية لمواطني الدولة، ويصنع حساً بالتمييز من خلال انحياز الدولة للقيم الدينية التي تؤمن بها مجموعة من المواطنين، صغر أو قل عددها، مقابل تهميش قيم مجاميع أخرى. لذلك برزت فكرة فصل الدين عن الدولة لضمان حياد الأخيرة كمؤسسة مسؤولة عن الجميع وأمامهم بالتساوي، وبالتالي حفاظها على المعنى الحقيقي لمبدأ المساواة الكاملة بين مواطنيها، بمعنى  رفض الدول أن تتحرك  أو تتخذ قرارات على أساس نوازع دينية، أياً كانت. على هذا الأساس، يكون حيز الدين هو المجتمع، وليس الدولة، حيث يستطيع المواطنون، أفراداً أو جماعاتٍ، ممارسة معتقداتهم الدينية في الحيز العام، خارج مؤسسات الدولة وأطرها، ما دامت هذه الممارسة لا تضر بالمصالح المشروعة للمواطنين الآخرين. تكون مهمة الدولة هنا  ذات شقين وترتبط بالموازنة بين المصالح المتضاربة لمواطنيها في هذا السياق. يتعلق الشق الأول بحماية الدولة لحق المواطنين بممارسة معتقداتهم الدينية المختلفة من دون تبنيها فيما يتعلق الشق الثاني بحماية موازية لحق المواطنين الآخرين من التعرض لأي أذى أو ضرر مادي محتمل قد تتسبب بها هذه الممارسة.

من هنا أيضاً تتكشف حقيقةٌ أخرى عن العلمانية، لا يُنتبه لها كثيراً، وهي أن الأخيرة آلية مؤسساتية مرتبطة حصراً بالدولة، وليس بالأفراد أو الجماعات أو الأحزاب. ولذلك من الخطأ الاصطلاحي القول أن هذا الشخص علماني أو هذا الحزب علماني كأن العلمانية هوية ما يمكن تبنيها والعيش على أساس معانيها وقيمها (كما في كون المرء شيوعياً أو إسلامياً أو قومياً). العلمانية، كأداة فصل مؤسساتي، لا يمكن أن توجد أو تشتغل على مستوى الأفراد أو الأحزاب، بل وجودها وعملها يكون في إطار الدولة فقط، على نحو شبيه بوظائف أخرى للدولة كالحفاظ على الأمن العام أو تطبيق القانون، أو تخفيض الضرائب ورفعها أو سن القوانين، فهذه كلها لا يمكن أن تحدث إلا في إطار الدولة وبسببها. أن كون المرء أو الحزب علمانياً هو استخدام مجازي للمصطلح لأن العلمانية كوظيفة مؤسساتية للدولة لا يمكن أن يضطلع بها الأفراد أو الجماعات.

 وحتى مع كونها آلية مؤسساتية، وليست رؤية أيديولوجية للعالم، فإن العلمانية تستند في تطورها المؤسساتي على افتراضات فلسفية تتصل برؤية عامة للكون هي الرؤية الليبرالية، فالعلمانية هي بنت الليبرالية الأوروبية. تقوم الليبرالية، بتنوعها الواسع، على فكرة أساسية هي أولوية الحرية الفردية على القيد الاجتماعي، وبالتالي تقترح الليبرالية توسيع حيز الحريات إلى الحد الأقصى الممكن شرط ألا تؤدي هذه الحريات وممارستها إلى الإضرار بالمصالح المشروعة لأفراد المجتمع الآخرين. في الفهم الليبرالي، تتحدد هذه الحريات ومدياتها وحدودها على أساس تجربة الاجتماع الإنساني في مكان ما، وليس على أساس قيم ونصوص سابقة لتجربة هذا الاجتماع. يكمن هنا الاختلاف الرئيسي بين الفكر الليبرالي والفكر المحافظ الذي يمنح الأولوية للقيم والنصوص السابقة على الاجتماع الإنساني ويعتبرها حاكمة على تجارب هذا الاجتماع. برغم هذا الاختلاف الجوهري في كيفية صناعة الأفكار والقيم بين الليبراليين والمحافظين في الغرب، يُجمع الطرفان اليوم، وهو اجماع بدأ يتشكل منذ القرن الثامن عشر فصعوداً، على ضرورة العلمانية وأهمية تطبيقها عبر الدولة ضماناً للمساواة وحفاظاً على السلم الأهلي.

قد يكون مفاجئاً معرفة أن العلمانية كتمييز بين عالمين مختلفين: روحي ومادي، وليس كمصطلح يعود إلى للقرن التاسع عشر، برز أول مرة في السياق الديني المسيحي، فجملة السيد المسيح الواردة في الإنجيل “اعطِ لقيصر ما لقيصر واعطِ لله ما لله” اعتبرت أساساً للفصل بين الحيزين السياسي والديني. على مدى القرون التالية الطويلة تطور نظرياً وعملياً هذا الفصل بين الحيزين إلى أن بدأ هذا الفصل يأخذ تدريجياً شكلاً مؤسساتياً راسخاً عبر الدولة بعد الحروب الدينية في أوروبا التي استعرت متقطعةً بكلف إنسانية واقتصادية هائلة بين القرنين السادس عشر والسابع عشر. ساهم هذا الفصل المؤسساتي بين الحيزين الديني والسياسي في ترسيخ الاستقرار في أوروبا  وتشكيل الأوطان بالدول التي حكمتها.

عربياً، نُظر إلى العلمانية بارتياب على أنها منتج غربي ينطوي على قيم منافية للأخلاق والدين، ويصلح فقط للغرب “المتحلل أخلاقياً” وبالتالي فإن السماح به في العالم العربي  يعني تعريض المنظومة الأخلاقية والدينية للمجتمع لخطر التفكك. ساهمت الحركات الإسلامية تاريخياً، فضلاً عن سوء فهم المصطلح  بين أوساط محافظة كثيرة وفاعلة، في شيطنة العلمانية باعتبارها تهديداً للهوية الثقافية والدينية للمجتمع. ساعد هذا الخوف من العلمانية على صعود مضطرد ومقلق لدعاوى الخصوصية الثقافية التي عنت، في معظمها، الانغلاقَ على تجارب التراث العربي وما يمكن أن يتسق معه من التجارب الحديثة.

عراقياً، كانت هذه التحفظات هي السائدة بعد سقوط نظام صدام وتعمقت في ظل الإدارة الأميركية للبلد بما عنته من سيطرة عسكرية واحتكار للقرار ثم اقتراح نظام ديمقراطي يقوم على الفصل بين السلطات لم يكن البلد مهيئاً له. لم تكن المعرفة أو الوعي هما السبيل العراقي للخروج التدريجي من الارتياب الواسع بالعلمانية. كانت التجربة، بآلامها الكثيرة والعميقة، التي تضمنت احتراباً أهلياً قاسياً تغذى على فهم طائفي-ديني للهوية، وفشلاً ذريعاً لحركات الإسلام السياسي في صناعة تجربة دولة رصينة، هي التي قادت الكثير من العراقيين إلى إثارة سؤال العلمانية من جديد. ابتكار مصطلح “المدنية” في السياق العراقي، كبديل لفظي للعلمانية، ساعد على تصالح  أوساط عراقية كثيرة مع المحتوى المؤسساتي للعلمانية عبر لبوس المدنية. مع ذلك، ما تزال العلمانية، بتخريجتها “المدنية” العراقية، بانتظار خوض معاركها الأشد بشأن علاقة الدولة بهويات مواطنيها المتنوعة، وهي المعارك المفتوحة على احتمالات مختلفة.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Copyright © 2018 by Lalish Media Network .   Developed by Ayman Qaidi.