ديسمبر 13, 2019

Lalish Media Network

صحيفة إلكترونية يومية تصدر باشراف الهيئة العليا لمركز لالش الثقافي والاجتماعي في دهوك - كوردستان العراق

داود مراد ختاري: معركة الجدالة واستشهاد بطلها (شمو عمشا)

معركة الجدالة واستشهاد بطلها (شمو عمشا)

داود مراد ختاري

ستبقى شنكال محمية ما دام هناك رجال يدافعون عنها بدمائهم، هكذا نحافظ على الأوطان من الأعداء بدماء الأبطال، الدم هو الذي يحافظ على الوطن.

كانت معركة قرية الجدالة من طراز خاص، ستسجل في التاريخ؛ لأن البطل أبى أن يترك موقعه لحين استشهاده بعد أن قتل (18) داعشياً، وألقي القبض عليه بعد نفاد عتاده.

جدالة قرية صغيرة تقع أسفل جبل شنكال من جهة الجنوب الشرقي.. حاول العدو مراراً وتكرارا السيطرة عليها دون جدوى ودفع خسائر جسيمة لعدوانه.

عمّا جرى في معركة جدالة واستشهاد بطلها (شمو رشو علي رشو جلو 1965- شمو عمشكا)، تحدث إلينا ابن شقيقه (وليد حسن نقيبا 1988) قائلاً: نحن ثلاث بيوت من آل نقيب أصلنا من عشيرة نقيبا/قبيلة الخالتا من ديار بكر، نتيجة أحد الفرمانات هاجر جدنا إلى شنكال/ كرعزير، ونعيش مع قبيلة فقراء الدنانية.

بقيت مع إخوتي وعوائل أعمامي، خجلنا من الهروب.. حاولنا مقاومة الأعداء يوم 3/8 حينما حدث ما حدث وهاجر أهالي المجمع، لم نخرج إلا بعد أن شاهدنا المجمع قد خلا من سكانه. خرجنا ووصلنا إلى منطقة جدالة ثم إلى الجبل.. لكن شقيقي (شمو) بقي في جدالة.. قال سوف أقاتل هنا، كي أخذ ثأر شهداءنا.

لم يكن (شمو) قد بلغ سن الرشد، حينما انتمى إلى الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وبعد فترة وجيزة، ألقي القبض عليه، لتعاونه مع البيشمركة، وحكم عليه بالإعدام، لم ينفذ الحكم به، وإنما تحول إلى السجن المؤبد لعدم بلوغه سن الرشد. وقضى مدة (15) سنة في سجن أبي غريب/بغداد، وأطلق سراحه بالعفو العام الذي أصدره النظام البائد، وكان يحمل هوية السجناء السياسيين.

انتمى إلى قوات حرس الحدود نتيجة للظروف المعيشية الصعبة في الآونة الأخيرة، ولشجاعته في أداء الواجبات. كان له منزلة لدى قادته وزملائه في الوحدات العسكرية.

في جدالة حارب الدواعش ولم يستطع المهاجمون التقرب من منطقته. لغاية يوم 22/8/2014 حيث تحشد العدو متقدما نحو جدالة القريبة من الجبل، مستعملا الأسلحة الخفيفة والثقيلة وخاصة الرباعيات.

العالم الديني (فقير جردو آل زرو 1950) الذي اتصلت به عبر الهاتف النقال في الجبل “سردشت كولكا”، يوم 2/12/2014، لانه كان مايزال يحارب الأعداء هناك، عن تلك المعركة قائلاً: لكوني من علماء الدين الإيزيديين، من مهامي تقديم الإرشادات والنصائح للمجتمع، وابحث عن مستقبلهم أيضاً، لذا كنت أتردد على علماء الدين الآخرين الذين سبقوني في هذا المهام. وقبل خمس عشرة سنة بمعية السيد حجي مراد عتو زرت العالم الديني (مام سينو- رحمه الله) وسألته عن مستقبلنا فقال المرحوم: (ستحدث حرباً عالمية وسيلجأ أهل شنكال إلى هذا الجبل من جديد).

تذكرت مقولة المرحوم (مام سينو)، عندما أعلن أبو بكر البغدادي الخلافة الإسلامية في مدينة الموصل، ذهبت إلى جدالة.. وبنيت داراً كبيرة من الحجر سقفها من الأعمدة الخشبية، وحفرت بئراً للماء فيها؛ لأني أدركت بان الوقت قد حان وسيلتجىء الأهالي إلى الجبل. وبفترة زمنية قصيرة أكملت حفرها وجهزتها بمحرك السحب ومولدة كهرباء وزيت الوقود، وأكملت الدار أيضاً. وحينما كنت أحفر البئر جاءني (سعيد أخو بابير) وسألني عن أسباب حفر البئر في الظرف الحالي قصصت له قصتي مع مام سينو، قال: صدقت يا عمي وأنا أتبرع بمبلغ الحفر فشكرته لموقفه ومساعدته.

جاء مسؤول الفرع/17 للحزب الديمقراطي إلى منطقتنا المحاذية مع حدود الخاتونية قبل الأحداث بأيام معدودة. طلب منه (خدر برو سيدو آل زرو) أن يوفر قوة حماية للمنطقة؛ لكوننا محاذين لهم وهم خطر على المنطقة،

وأشيع في المنطقة بأن (الفقير مام جردو) يخاف السكن في منطقة (خرباتي قوالا) وينوي الهروب إلى قرية الجدالة في الجبل.

سكن هذه الدار الكبيرة المئات من البشر في أيام المحنة بعد 3/8/2014 والأيام التي تلتها. ارتوى من البئر الآف البشر، وأكثر الناس لم يكن لهم مأكل ومشرب وأثاث، كنا نوفر لهم ما نستطيع، وجهزنا أنفسنا بالأسلحة والعتاد تحسباً لأي موقف طارئ.

حاول العدو التقرب بـ(4) سيارات قدموا من الوردية نحونا يوم 3/8/2014، ونتيجة مقاومتنا لم يستطيعوا أن يفعلوا شيئاً، بقي (حجي شمو خديدا، حجي دخيل شمو، عزير تعلي).

في يوم 23/8/2014 حدثت معركة استخدم العدو فيها أسلحة فتاكة من المدرعات والرباعيات، إذ تقدم إلى وادي (كولي) في الغرب بمسافة (2)كم. كانت تفصلنا عنهم عشرة وديان، بعد انتهاء المعركة حاول التقرب من منطقتنا وسرقة سياراتنا وسيارة المرحوم إبراهيم عيدو (أبو خيري)، وكنا مجموعة من العوائل (حجي دخيل سيدو، دخيل خديدا سيدو علي، زيدو قاسم خدر شمو كلش، عائلة من عشيرة الجوانبية) دمرنا همراً ومدرعة ثم هربوا إلى الوادي؛ لكنهم تمكنوا من سرقة الأسلحة والمواد من الدور والسيارات.

حدثنا ابنه (علي جردو) قائلا: في هذه المعركة أصيب شقيقي قاسم بساقه، كذلك أصيب ابن عمي (نايف خديدا عفدو) في ساقه أيضاً، حاول إنقاذ نفسه وعبور الوادي، لكنه  تفاجئ بوصول مدرعة إليه، ولم يكن أمامه إلا أن يسلم نفسه، واتصلنا به في المستشفى مرة واحدة ومنذ ذلك اليوم لا نعلم  شيئاً عن مصيره.

يذكر الشاهد على هذه المعركة (قاسم ابن العالم الديني فقير جردو آل زرو 1977) في ربية سلافكه خدر الياس: نحن من قرية (خرباتي قوالا) توجهنا نحو قرية جدالة يوم 3/8/2014. كان لنا قصر كبير فيها، داهمتنا قوة داعشية وبقيت ساعة تطلب منا تسليمهما أسلحتنا لكننا أبينا ذلك.. فسلاحنا عرضنا كما علمنا ذلك أباؤنا – وقال لنا الوالد: إذا تقربوا من العوائل ارموهم، لذا لم يستطيعوا أن يفعلوا شيئاً فتراجعوا.

ثم قدمت قوة أخرى، ما أجبر العوائل على تسلق الجبل فقام العدو باستهدافها بالرباعيات، لكن لم يصب أحد ولله الحمد. وشكل والدي مفرزة وحارب الدواعش هناك، فكانت الربية الشرقية لعائلة الفقراء (آل زرو) في – سلافكةها جيا- والربية الغربية لـ(ي. ب. ك) في وادي كولي.

داهمت القرية قوة كبيرة من الدواعش في يوم 24/8/2014 في الساعة السابعة والنصف. جاؤوا من الجهة الشرقية وقوتهم كانت مؤلفة من(6) سيارات عسكرية نوع همر مع (15) سيارة نوع (تويوتا)، مع الرباعيات في ست سيارات نوع (كيا) محملة بالشباب من أجل نهب المنطقة.

كانت قوة هائلة من حيث العدة والعتاد، وتعد تلك المعركة من أشرس المعارك في المنطقة، فقد قتل العديد من الدواعش وقام بقتلهم البطل (شمو رشو) الملقب (شمو عمشى) الذي حارب في وادي كولي فوق مزار شيخ مند، لكن بعد نفاد عتاد رباعيته وعطبها استعمل سلاح الـ(بي كي سي) وحارب بحماس غير آبهٍ بعددهم وبقي يقاومهم حتى تمكنوا من الوصول إليهِ.. حيث صعدت إليهِ سيارة (همر).

وبعد أن طوقوه.. قاموا بقطع ذراعه.. ثم أطلقوا عليه العيارات النارية ليموت بتلك الطريقة الأسطورية فوق سلاحه الذي استولى عليه الدواعش مع الرباعية المعطوبة. وتوجهت المدرعة المهاجمة مرة أخرى نحو مزار شيخ مند وارتكب المهاجمون الجرائم بحق الأبرياء هناك.

كانت ربية البطل قريبة منا لذا كنت أشاهدهم عندما قطعوا ذراعه قبل قتله. ومن الربية الغربية قاموا باستهدافنا ونحن في الربية الشرقية فأصيبت ساقي بطلقة من الرباعية. حاولت سياراتهم الصعود إلينا لكن بسبب وجود وادٍ عميق لم يستطيعوا، فبدأ جرحي ينزف بغزارة. حاربت ست ساعات ونصف، وقلت لأولاد إبراهيم: أنتم انقذوا أنفسكم.

قلت لأبن عمي (نايف): لا نستطيع محاربة المدرعة سنتوقف عن الرمي عليها، في هذه الأثناء أصابتني المدرعة بساقي بطلقات بي كي سي، ثم طلبت من ابن عمي (نايف) إنقاذ نفسه؛ لأني لم أكن أستطيع الحركة وهو لا يستطيع إنقاذي، بعد أن سرت لمسافة تقدمت نحوه مدرعة فأصابت ساقه وألقي القبض عليه، بعد يومين تحدث معه شقيقي وكان راقداً في مستشفى بعاج، وانقطع الاتصال بيننا منذ ذلك اليوم ولازال مصيره مجهولاً.

ثم توجهوا نحو قبة (شيخ مند) وفجروها، وبعد ست ساعات من الألم والنزيف المستمر وضعني ثلاثة من رفاقي في نقالة وحملوني على ظهر حيوان إلى  كرسي غربي الجبل.

العدو سرق من سياراتنا (40) قنينة عسل، خمس قطع نوع (بي كي سي) ورشاشات روسية عدد (5) مع (3000) طلقة، ناظور ليلي متطور، مسدس (استلمته من مديرية الشرطة؛ لأني من منتسبيها).

في أحد الأيام اتصل رئيس عشيرة قرية مريبان العربية القريبة من قرية شلو التي تقع غرب الجبل بالسيد (حجي شمو) وقال له مهددا: أنتم قتلتم أبناءنا في الجبل فأدركوا ماذا سيصيبكم ؟

فرد عليه حجي شمو: أبناؤكم دواعش، هجموا علينا في الجبل، هل نستقبلهم بالورود !؟

شاهد آخر للمعركة (جميل رفو حجي 1974 كر عزير)، قال: رقد الوالد في مستشفى شنكال يوم 2/8 ليلاً، وأخبرونا في الساعة الثانية فجراً بالمعارك في (كرزرك وسيبا شيخدر)، فعدنا انا وأخي وبقي شقيقي الثاني مرافقاً له.. دخل الدواعش إلى كرعزير في السادسة صباحاً، وأبلغنا شقيقنا بضرورة ترك المستشفى وتواعدنا عند مزار شيخ مند في قرية جدالة، وصلنا في الساعة التاسعة صباحاً.

وصلت عوائلنا إلى قمة الجبل يوم 20/8، بقي كبار السن في المزار. والدي من مواليد 1935 شيخ طاعن في السن، والدتي من مواليد 1940 وجدتي من مواليد 1930 وعمي ضرير، بقيت معهم للتقديم المساعدة مدة عشرين يوماً.

داهمتنا عصابات داعش يوم 24/8 في الصباح الباكر، توجهوا نحو (وادي جدالة) الذي يبعد (2)كم شرقاً عن مزار (شيخ مند)، بقوة هائلة من المدرعات وسيارات الهمر المحملة بالرباعيات وسيارات تويوتا وشاحنات لنقل ممتلكاتنا وبقية ما كانوا يخططون لنهبه ومجموعة شباب من أجل نقل الممتلكات مع شفل وحفارة وإسعاف.

وضعت كبار السن في غرفة، لم اكن قادرا على أخذهم معي، ناهيك عن امكانية إنقاذهم، وسحبت شقيقتي نادية مواليد 1977 من يدها لكونها مصابة بعوق وتخلف عقلي.

صعدت إلى جهة آمنة تشرف على المزار وسندت شقيقتي لصخرة وبقيت أتابع ما يحدث. دامت المعركة ثلاث ساعات وعشرين دقيقة، كنا نقاتلهم أيضاً بأسلحتنا الخفيفة. لاحظناهم كيف تقدموا وضربوا قبة (مزار شيخ مند) ثم فجروه، وبدأوا بقتل المساكين الأبرياء وكان معي من المقاتلين (حجي شمو خديدا، نايف شمو خديدا، حجي دخيل سيدو، خلف سليمان نوركي ومن الجهة الثانية، كتاش مراد، علي مراد وآخرين).

ويكمل السيد جميل حديثه: البطل شمو رشو علي – حاربهم وقتل عددا منهم.. لكنه استشهد بعد نفاد عتاده.

بعد انسحاب الدواعش ورفع جثث قتلاهم من تل جدالة، وصلت  المزار بعد  أن هدأ الجو، تبين أنهم قد فجروا قبة المزار وقتلوا كبار السن بإطلاق الرصاص على جبينهم و قتل مجيور المزار(نايف شقيق حسن بك) خنقاً بالأيادي، وقتل عجوزان عند تفجير البناية وبقيت جثتهما تحت الركام.

كانت سيارة همر مدمرة عند المزار فقمت بإحراقها برش البنزين عليها لعدم إمكانية نقلها بسبب وعورة الجبل واحتمال عودتهم لسحبها.. جاء شقيقي وعمي في نفس اليوم كي يتم سحب ونقل كبار السن بحملهم على ظهور الحمير؛ لكنهم عندما وصلوا إلى قمة الجبل بدأت المعركة لذا لم يستطيعوا الوصول اليهم.

حرقوا نحو خمسين سيارة، وكانت هناك مقطورة ماء أفرغوها كي لا يستفيد منها أحد.

حاولنا دفن الموتى لكننا لم نكن نمتلك اية مستلزمات للحفر والمقبرة كانت بعيدة، كنا ثلاثة (حجي شمو خديدا وخلف سليمان نوركي)، ووصل بعدها شقيقي وابن عمي لمساعدتنا.

دفنا أربعة في حفرة قريبة، ودفن المجيور في حفرة قرب المزار ووصل ابنه أثناء الدفن، لم نستطع إخراج جثث من مات تحت الركام. ثم توجهنا إلى قرية كرسي، وتوفيت للأسف شقيقتي نتيجة الخوف والعطش والتعب.. كانت حافية القدمين ونحن في منتصف الطريق ودفناها في نفس المكان.

أوشكنّا على الهلاك من التعب مما أصابنا في ذاك اليوم.. فقدت خمسة أشخاص من عائلتي، استقبلنا مجموعة من المعارف في كرسي، أخذنا قسطاً من الراحة ثم توجهنا إلى الحدود السورية، كانت هناك شاحنة تحمل الغنم.. وكنّا مع الغنم في المؤخرة.. توجهنا إلى زاخو.

استشهد من أولاد عمي (جاسم عيدو حجي وخيري عيدو حجي) في مركز قضاء شنكال يوم 3/8/2014، وأدناه أسماء الشهداء عند مزار شيخ مند:

1- رفو حجي علي عبدي الخالتي 1935. 
2- خضر حجي علي 1962.
3- حسن عطو درويش الحمو.
4- نايف خضر، شقيق المجيور حسن بك/ قتل خنقاً بالأيادي.
5- بيزاري علي خلف 1940.
6- سيفي سلو عيدو عمر 1920.
7- أرزان أوصمان – ماتت على اثر انفجار بناية المزار.
8- وطحان خلف خضر – ماتت على اثر انفجار بناية المزار.
9- نادية رفو حجي.

10- شمي خلف حجو، 1970، ويقول شقيقها (علي خلف): خرجنا من تل عزير بسيارة وكالة المواد الغذائية للسيد (عيدو مراد بشار)، لعدم امتلاكي سيارة في يوم 3/8/2014، وأبقيتها في (الجدالة) عند مزار شيخ مند كونها مصابة بالشلل. وأنقذت عائلتي، وحينما مكثت في دهوك حاولت أن أعود اليها، لكنها استشهدت قبل وصولي اليها.

11- قتل ثلاثة معاقين عقلياً كانوا موجودين بالقرب من المزار: واحد من خانصور  كان قد فقد ذاكرته نتيجة اختطاف عائلته بالكامل، والمعوق الثاني الياس حجي من كرعزير (تعوق أثناء مجزرة شنكال 2007، واستشهاد والدته) والمعاق الثالث (خلف حسن)، واسروا اثنين.

 

 

 

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Copyright © 2018 by Lalish Media Network .   Developed by Ayman Qaidi.