سبتمبر 22, 2019

Lalish Media Network

صحيفة إلكترونية يومية تصدر باشراف الهيئة العليا لمركز لالش الثقافي والاجتماعي في دهوك - كوردستان العراق

أ.د. عبدالحميد العباسي: تعليق على مقال الدكتور عبدالخالق حسين: إصرار العراقيين على تدمير أنفسهم

تعليق على مقال الدكتور عبدالخالق حسين: إصرار العراقيين على تدمير أنفسهم*

أ.د. عبدالحميد العباسي

استعرض الكاتبُ في مقاله اعلاه جوانبَ من المشهد السياسي والأمواج المتلاطمة التي يعجُّ بها، منها التي استوطنَت الوطن وإن حميَ وطيسُها بين فينةٍ وأخرى، ونالت شرورُها كثراً من المواطنين ومنهم كاتبُ المقال إياه، وفي ادناه رؤاي الشخصية في بعض ما جاء في ذلك المقال:

1-    إبادة النفس، الإنتحار، ومنه الانتحار الجماعي ليس حِكرا على الإنسان، فقد شوهدت، بين حين وآخر، اعدادٌ هائلة من الفئران، تخرج من كمائنها مُسرعة نحو البحر لتلقي بنفسها فيه وتموتُ غرقا. وكذا حال بعض المخلوقات من فصيلة الاخطبوط التي تعيش في اعماق البحار، فقد تشاهد منها وعلى حين غرة، اعدادٌ كبيرة، مَيتة، طافية على السطح، لا بسبب سُم او تلوثٍ، لأن غيرها من البحريات تبقى سليمة. وهناك امثلة أخر.

لا نعرف الآن, الآلة البايولوجية لظاهرة إبادة المخلوق لنفسه (الإنتحار) وكيف يُوحى إلى العقل ليأمرَ الدماغَ وسيلته المِطواع، بإنجاز تلك المهمة ولكن هذا العقل، قطعا، عقلٌ غيرُ سوي، وقد يكون في قدرة الاجهزة المطلوب الحفاظ على سريتها أو الحقيبة الحاوية على وثائق خطيرة، قدرتها على تدمير نفسها عندما يكون ذلك خير من عدمه كأن تكون وقعت في أيدٍ مُعادية. قد يكون في فهم آلية تلك المبتكرات بصيصٌ الى إدراك كنه ظاهرة الانتحار التي نحن بصددها، تماما كما وجدنا في قدرة بعض  الصواريخ على تصحيح مسارها بنفسها دون استشارة مصادر إطلاقها، وجدنا في ذلك فهما رصينا لما نقوم به نحن البشر من أفعال تلقائية (اوتوماتيكية) دون الحاجة الى إبلاغ مراكز الشعور في الدماغ أو أخذ موافقتها.

قلنا ان وراء ظاهرة الانتحار عند الانسان عقلٌ غيرُ سوي ويكون هذا بسبب مرض أو تلقين مُحْكمٍ مصقولٍ وعلى التلقين المُحْكم، هذا وأطلق علماء النفس تعبير: غسل الدماغ “Brainwash “. يعتقد أن المريض يُقبل على الانتحار أملا في الراحة مما يعانيه، أما الانتحاري من النوع الذي نسمع عنه كل يوم فهذا يطمع في نعيم موعود، وفي كلتي الحالتين الموت هو الغاية والوسيلة. و علينا هنا نتوقف أمام ظاهرة “الفداء” التي لا يكون فيها الموت غاية ولو ان  احتمال الموت وارد في فكر الفدائي وواضح. وإن ما عليه إتيانه، أمر لا مناصَ منه، وهنا يختلط الامر تماما بمفهوم “الشجاعة” وما تعنيه من الإقبال على عمل فريد برباطة جأشٍ وبمعرفة كاملة بخطورته. والتاريخ يعلمنا أن الصليبين عند غزوهم فلسطين، واجهوا ظاهرة لم يألفوها، إذ كان رجال الطائفة الاسماعيلية سكان الجبال السورية المحاذية، يتسللون فرادا عادة الي عِقر القائد الصليبي ويقتلونه، مع سابق علمهم ان موتهم، هم مؤكد ايضا. حار الصليبيون في هذه الظاهرة التي لم يألفوها واعتقدوا أن عدمَ مبالات مقاتلي الاسماعيلية يعود الى الاستعانة بالحشائش المُخدرة فسموهم (الحشاشين) يلفظونها هشاشين او اساسين. ثم دخلت هذه الكلمة العربية الى لغتهم assassin للذي يقتل بدوافع مبدئية او سياسية على عكس السفاح murderer الذي يقتل لسبب غير ذاك.

ما نشهده اليوم في العراق هو ليس انتحار ولا ابادة متبادلة، فليس هناك فريق يريد ان يموت والموت ركن اساس وغاية في عملية الانتحار، بل كل فريق يريد الموت للآخر اما الانتحاريون حصرا، فهم غيرُ عراقين، تربوا بالتلقين والإيهام على الايمان ان الموتَ اكثرُ نجاعة من الحياة.

2-    كان الكاتب على حق عندما اشار الى أن ان إزاحة المالكي لا يُنهي الإضطراب القائم. ذلك اننا امام مشروع لا ينتهي الا بتحقيق اغراضه  كلها والتي لم يقدر او يجرأ احد من الطارئين على فنون السياسة ودروبها، على إماطة اللثام عما وراء ذلك المشروع مع أن كل المؤشرات تومىء صوب الغاء العراق، الدولة، في نهاية المطاف.

3-    ربما أخذ صاحب المشروع بفكرة الإسكندر المقدوني بإبادة شعب العراق (طبعا ايام الاسكندر) واستبدالهم بأناس من اماكن أخرمن العالم واغفل صاحب المشروع، نصيحة آرسطو اللتان عَرّجَّ عليهما الدكتورعبدالخالق. وها نحن، اليومَ نرى إبادة العراقيين باساليب التطهير العرقي المختلفة منفردة أو متعاضدة من تجويع وتقتيل وتحقير وتجهيل وتهميش وتلويثٍ البيئة بالملوثات الكيميائية والملوثات النفسية. والأخيرة تكفلت بها الفضائيات المأجورة، وتعقير(من “العقر” هبوط معدل الخصوبة والولادات)، ظاهرة حذرت منها، حديثا، مجلة ٌعلمية رفيعة. كذلك تهجير و حصار وشروره والذي وصفه إثنان من معاوني امين عام الامم المتحدة، بانه سلاحُ إبادة. كل ذلك لافراغ العراق من سكانه لتعاد تمثيلية: وطنٌ بلا شعب وشعبٌ بلا وطن.

4-    أشار الدكتور عبدالخالق الى أن العراق يتكون شعبه (سُكانُه) من فئات مختلفة دينيا وعِرقيا ومذهبيا ولغوياً وهو بهذا قد وضع إصبعَه على مَوطن الداء، مع أن التنوع بحد ذاته, ليس المشكلة لو صُهرتْ هذه الفئاتُ في بودقة الهُوية الوطنية.على أن هذا لم يحدث

وكرَّست الانظمة المتعاقبة شرذمة المجتمع بل زادتها سوءً، لإحكام قبضتها، كما اشار الكاتب. ومحاولة البعض وصف هذا الإختلاف في النسيج السكاني بانه باقة وردٍ او فُسيفساءٍ برّاق, ليس إلا تجاهلُ حقيقة مُرّة تُركت لتستفحل. والى ما ذكرنا، هناك اسباب تاريخية فكثير من هذه الفئات هي ممن ترك الغزاة ورائهم على مرّ العصور، ومنهم مَن استورده الحاكمون لقمع الرعية. وكما متوقع، كان شعورُ الفاتح ومَعيته، الاستعلاءُ على أهل البلد، شعورٌ ما انفكت تحِنّوا وترّنوا إليه هذه الفئات، حتى بعد أن تبرقعت واستعربت واندست وتربعت على السلطة، بعد إنحسار ظل الفاتح. مَن منا مَن لم يسمع هولاء يصفون ابناء الغالبية العربية (بالمعدان) عرب الاهوار، أحفاد السومريين او (الشروك) ونعرف ان هذه الكلمة سومرية، معناها (اصلي وأصيل)، ويصفون ابناء القرى والبوادي بإستخفاف “عرب”، تعابير ارادوا بها دُنوَ المنزلة. فهل تتوقع من هكذا فئات ان تُنصف او تحِن على الغالبية السكانية والتي كثيرا ما جعلوا منها وقودا لحروبهم العبثية؟

وما ذكره الدكتورعبد الخالق عما قاله السيد خالد عبد الحميد العاني من ان وراء احتكار السنة للحكم اسبابٌ تاريخية وموضوعية فاني اوافق السيد خالد على هذه الجملة مع اني لا اعرف عن بقية مقاله. في صفقة تشكيل الدولة العراقية هي تنفيذ لبعض بنود معاهدة سايكس بيكو التي إعتمدتْ تجزئة العالم العربي وعدم السماح بأي توجه وحدوي والتزم بهذا مَن تربعَ على الحكم الى هذه اللحظة، وما سمعنا او نسمع خلاف هذا فهو جعجعة للاستهلاك المحلي ليس إلا. ولما اتنتفض الشيعة (اكثر من 90% من عرب العراق) يؤازرهم عرب  أقحاح من السُنة في غرب العراق، انتفضوا ضد الفاتح الجديد الذي حررهم من الحكم العثماني الذي إشتدت قسوته إبانَ سياسة التتريك، كذلك إصرارهم على ان (يتولى أمرَهم اميرٌ عربي) كما تقول المصادر التاريخية، فكشفوا بذلك عن توجهات وحدوية وعدائية للفاتح الجديد. ولم يبق للفاتح الا ان يتوجه إلى العثمانيين َمنبتا أو مشربا والى الاقليات غير العربية وهي سنية عموما وقلة من عرب الجنسية، لتكوين إتلافٍ يحكمُ العراق وسُوق هذا الى العالم العربي على أنه حكمُ السُنة ولم يكن من أهل السُنة في شيء، وإنما كان إئتلافا سياسيا أراد اصحابُه ضمانَ مصالحهم التي نالوها أيام الحكم العثماني.

هذه هي قصة احتكار السُنة السياسية للحكم في العراق، والخلاص من الحكم الفئوي لا يكون بتخندق من نوع آخر، بل بالإنصهار في البودقة الوطنية الواحدة. ان اي نظام يعتمد الفئوية الدينية والمذهبية والعنصرية هو دعوة صريحة الى تفوق الانتماء الفئوي على الولاء الوطني وهو دعوة ٌإلى خرابِ الوطن ونداءٌ الى الجهات الاجنبية لتدسّ أنفَها، بل التحكم في شؤون العراق، عن طريق هذه الفئة أو تلك. وهذا عينُ ما نشهدُه الآنَ.

ــــــــــــــــــــــــ

* د. عبدالخالق حسين: إصرار العراقيين على تدمير أنفسهم

http://akhbaar.org/home/2013/10/156194.html

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Copyright © 2018 by Lalish Media Network .   Developed by Ayman Qaidi.