ما أشبه اليوم بالبارحة!.. لكن تظل كوردستان صامدة
زيدو باعدري
ما اشبه اليوم بالبارحة ، كما يُقال ، ولإن اختلفت الأدوات باختلاف الزمن والعصر . في الماضي، حاربوا كوردستان بشتی الوسائل بدءاً بالسيف والبندقية والمدفعیة والدبابات والطائرات والتفجیرات والانتحاریين بعد غسل ادمغتهم، دمروا القرى، أحرقوا المدنيين بالنابالم المحرم دوليا، ورشّوهم بالكيمياوي، وقصفوهم بالطائرات.
وبلغ النهج الاقصائي ذروته أواخر ثمانينيات القرن الماضي ، عندما شنّ النظام العراقي البائد حملات الإبادة الجماعية ضد الكورد ، تحت مسمى الأنفال ، والتي قُتل فيها ما لا يقل عن مئة الف مدني كوردي، ودُمرت أكثر من 5000 قرية، وتم استخدام الأسلحة الكيماوية ضد السكان، أبرزها في مدينة حلبجة حيث استشهد نحو 5,000 شخص في جريمة صنّفتها هيومن رايتس ووتش عام 1993 كجريمة إبادة جماعية، وأكّد هذا التوصيف لاحقاً حكم المحكمة الجنائية العراقية العليا عام 2010 ، وهي اعلى سلطة قضائية في العراق.
لقد كان هدفهم واضحًا ، إبادة الكورد وطمس هويتهم. واليوم وقد تغير الزمن ، حيث تدخل المجتمع الدولي قيّد أيديهم عن الحرب المباشرة، فاختاروا طريقًا جبانًا آخر ، التجويع، الحصار المالي، قطع الرواتب، زرع الفتن، واستخدام العملاء والابواق المأجورة.
لم تتغير العقليات، بل تغيرت الأدوات. العقلية الشوفينية الاقصائية لاتزال ترفض رؤية الكورد شركاء متساوين، بل تصر على معاملتهم كشعب من دون حقوق.
ولا زال هناك إصرار على تعريب الاثنيات وإذابتهم قسريًا في بوتقة لا تمثلهم ، وخير مثال صارخ ، حين صوّت شعب كوردستان بـ”نعم” للحرية في استفتاء الاستقلال عام 2017، لم نحمل سلاحًا، لم نهدد أحدًا، فقط قلنا “نعم” عبر صناديق الاقتراع… فماذا كانت النتيجة؟ خربوا الدنيا فوق رؤوسنا بحقدهم! أغلقوا المطارات، قطعوا الرواتب، حرّكوا الجيوش نحو المناطق الكوردستانية ، نحو كركوك وشنگال الجریحة حتى اللحظة ، هذا يثبت أنهم لا يعادون فقط مايسمونه هم بـ “الانفصال”، بل يعادون حتى فكرة الوجود الكوردي المستقل والواعي. ومع ذلك، كوردستان صامدة ولم تركع كونها صاحبة حق ، وستبقى صامدة ولاتنحني.
فالخلافات والمشاكل بين إقليم كوردستان والحكومات العراقية المتعاقبة منذ تأسيس الدولة العراقية لم يكن يوماً خلافاً عابراً أو وليد أزمة مؤقتة، بل هو امتداد تاريخي لبنية تأسيسية مختلّة للدولة العراقية الحديثة. فمنذ نشأتها بعد الحرب العالمية الأولى، لم تكن هذه الدولة انعكاساً لإرادة مكوناتها ولم تلد ولادة طبيعية، وإنما وُلدت من رحم التفاهمات الاستعمارية التي رتّبت حدود المنطقة بناءً على مصالحها، لا على الحقائق الديموغرافية والثقافية ، وعلى إرادة الشعوب ورغبتها ، لذا ترى أزمة تلاحق ازمة ومشكلة تلاحق اختها وحرب تلد أخرى.
فرغم توقيع الاتفاقيات بين أربيل وبغداد لتنظيم ملف النفط والرواتب، إلا أن الجانب الآخر لم تلتزم ببنوده، وواصلت وتواصل تعطيل دفع الرواتب عبر استخدام التبريرات القانونية، في خرق فاضح للدستور ولمبدأ المساواة في المواطنة. لقد نصّ قانون الموازنة العامة لعام 2023 في المادة 13 على آليات واضحة لتسوية المستحقات، لكن لم تُنفذ، واستمر ويستمر الضغط المالي على الإقليم كأداة سياسية تحركها عقليات شوفينية عفى عليها الزمن والاحداث والتطورات.
نعم ، عندنا تاريخ وحضارة أعمق من نُظمهم الطارئة ، وعي تكنولوجي وتعليمي مستمر في النمو ، ديمقراطية حقيقية تمارس رغم الحصار ، احترام لحقوق الإنسان، المكونات، المرأة، والطفل.
كوردستان اليوم ليست صامدة فقط ، بل صارت نموذج في الصمود، نموذج في الإنسانية، والإرادة الحرة.
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية