أكتوبر 17, 2017

Lalish Media Network

صحيفة إلكترونية يومية تصدر باشراف الهيئة العليا لمركز لالش الثقافي والاجتماعي في دهوك - كوردستان العراق

د. قادر سليم شمو: الإيزيديون من المأساة والتهميش الى كوردستان مستقل

الإيزيديون من المأساة والتهميش الى كوردستان مستقل
(رحلة البحث عن الهوية واثبات الذات)
د. قادر سليم شمو

الإيزيديون عانوا الظلم والاضطهاد على يد الآخرين طيلة تاريخهم، وذلك بسبب هوياتهم الاجتماعية والدينية والأثنية. ولو لا نضالهم من أجل البقاء والتمسك في معتقداتهم لما كان الإيزيديين قادرون على الحفاظ على هوياتهم الى يومنا هذا.
إن وصول الدين الإسلامي الى مناطق كوردستان في القرنين السابع الميلادي، كان بداية لمرحلة تاريخية جديدة بالنسبة للأيزيديين. حيث تم إجبار العديد من الإيزيديين على ترك معتقدهم واعتناق الإسلام (مع احتمال تحول بعضهم طوعا او تحت الترهيب).
الإسلام لم يعترف بالأيزيدية كدين، ولم يعتبر الإيزيديين من “اهل الكتاب”، وانما اعتبرهم فئة خارجة عن المجتمع الإسلامي. لذلك لم يتمتع الإيزيديون لا بالحقوق و بالحماية التي شملت ما يسمى “بأهل الكتاب”، أو “شعب الكتاب” حسب المنظور الاسلامي، مثل اليهود والمسيحيين وحتى الزرادشتيين.
هذه كانت بداية لتمزيق الإيزيديين من نسيج المجتمع الكوردي العام من الناحية الدينية والثقافية وليس من الناحية العرقية ككورد. وفي نهاية المطاف، شكلت الهوية الأيزيدية الاجتماعية والدينية المستقلة والمبنية على الأساس انعدام العدالة الاجتماعية والاضطهاد التاريخي التي ارتكبت بحقهم من قبل المسلمين (بما في ذلك الكثير من الكورد المسلمين)، هذه المظالم ساهمت في تعميق الخلافات بين الكورد المسلمين والكورد الإيزيديين من ناحية، وادت الى تماسك الجماعات الأيزيدية وعززت هويتهم الدينية والاجتماعية بمرور الوقت من ناحية اخرى.
فمن أبعاد الهوية الجمعي للأيزيديين هي: النقاء والطبقات الدينية، النظام الاجتماعي الأيزيدي والقيود الاجتماعية والدينية، والتاريخ الأيزيدي المشترك بالاضطهاد، هذه النقاط تشكل البنية الرئيسية التي نشأت عليها الهوية الانفصالية للأيزيديين. اما اللغة الكوردية هي قضية مثيرة للجدل حول هوية الإيزيديين. اللغة الأصلية لجميع الإيزيديين تقريبا هي اللهجة الكوردية المهيمنة (الكورمانجية)، باستثناء مجموعة صغيرة من الإيزيديين الذين يعيشون في بعشيقة وبحزاني هم يتحدثون لهجة خليط من الكوردية والعربية. والأهم من ذلك أن لغة النصوص الأيزيدية المقدسة والصلاة الأيزيدية هي الكورمانجي. علاوة على ذلك، على الرغم من أن الهوية الأثنية للأيزيديين هي قضية مستمرة للنقاش الى يومنا هذا، فإن معظم الكتابات الرسمية والعلمية على مر التأريخ، وخاصة خلال عهد الدولة العثمانية، تؤكد بان الإيزيديين هم كورد من حيث العرق، ولكن في الوقت نفسه يؤكدون على وجود اختلافات اجتماعية ودينية واضحة تميزه عن الشعب الكوردي المسلم.
تعرض الإيزيديون طيلة تاريخهم وخاصة خلال العهد العثماني الى الكثير من حملات الابادة وعانوا خلالها القتل وسبي النساء وما شابه ذلك من اعمال بعيدة عن قيم الانسانية، واغلب هذه الحملات كانت تحت اسم الاسلام ويدعمها فتاوي علماء الدين وملالي المسلمين. كما شارك الكثير من الكورد المسلمين هذه الحملات ضد الإيزيديين، مما يؤكد ان ذلك الاضطهاد كان بسبب الهوية الاجتماعية والدينية الأيزيدية. ولكن بعد سقوط الدولة العثمانية بدأت الصفة الأثنية الكوردية ايضاً تضاف الى حملات اضطهاد المجتمع الأيزيدي. فحتى سقوط الدولة العثمانية في أوائل القرن العشرين، عانى الإيزيديون “72 حملة إبادة جماعية” كما يشير إليها الإيزيديون عادة. وكانت هذه الهجمات محاولات للقضاء على الإيزيديين، لان المسلمين كانوا ينظرون اليهم في كثير من الأحيان على أنهم عبدة الشيطان وكفرة او فرقة ضالة انشقت من الاسلام.
بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى في سنة 1918، بدأت الدول الأثنية تنشأ على بقايا الدولة العثمانية. حينذاك كان هناك مشروع لبناء دولة كوردستان المستقلة ايضاً، ولكن هذا المشروع اصبح بشكل كبير ضحية لخلافات موجودة ضمن المجتمع الكوردستاني اولاً، وللمصالح السياسية والاقتصادية للدول العظمى في تلك الفترة ثانياً.
وكانت المملكة العراقية ذات النكهة الدينية واحدة من تلك الدول الحديثة التي تأسست في سنة 1921، والتي الحق بها الكثير من الاراضي الكوردستانية فيما بعد وفقا لقرار اللجنة الدولية التي اجرت استفتاء لتقرير مصير ولاية الموصل في عام 1925. منذ هذا التاريخ والى الان يناضل التيار القومي لشعب كوردستان من اجل نيل حقوقهم القومية، ويبحثون عن فرصة جديدة لبناء دولتهم المستقلة على الاراضي التي تهيمن عليها الاغلبية السكانية ذات العرق الكوردي في العراق.
وفي الآونة الاخيرة وبعد كفاح طويل باتت الارضية مناسبة للتيار القومي الكوردستاني والفرصة متهيئة لكي يجعل مشروع دولة كوردستان المستقلة حقيقة على ارض الواقع في العراق.
ان الاستفتاء القادم والمقرر ان يُجري في 25 ديسمبر 2017، وخاصة في حال تم تصويت الاكثرية بنعم لصالح الاستقلال، سوف يعطي الصفة القانونية لقيام دولة كوردستان المستقلة ، هذا اذا اراد قادة الكورد الانفصال عن العراق من جهة، وكما انها سوف يكون ورقة الضغط بيد التيار السياسي القومي الكوردستاني تستخدمه للضغط على الحكومة المركزية في حال سعى الكورد اعلان انفصالهم عن العراق لاحقا من جهة اخرى. مما يجدر الاشارة اليه، ان اعلان الاستقلال لم يكن امرا سهلاً ابداً وربما يكون مغامرة مليئة بالمخاطر قد تؤدي الى احداث غير متوقعة. ولكن الأهم في هذه المسألة هي مرحلة ما بعد الاستقلال وكيفية الاحتفاظ بالمكسب.
حسب اعتقادي ان ادامة الاحتفاظ بالاستقلال سوف يصونه طبيعة النظام السياسي ودستور الدولة بدرجة كبيرة، حيث يجب ان يضمن حياة افضل لسكان كوردستان بجميع اطيافه الأثنية والدينية. كما انه مما لا شك فيه ان هناك مؤيدين ومعارضين لهذه الخطوة المصيرية وهناك مخاوف لبعض المجموعات ايضاً، خاصة الاقليات بما فيهم الكثير من الإيزيديين حول مصيرهم ومستقبلهم في المرحلة القادمة اي ما بعد الاستفتاء.
عندما سقطت الدولة العثمانية في عام 1918، كنتيجة للحرب العالمية الأولى، تشكلت العديد من الدول القومية الحديثة على بقاياها.
وفي عام 1921 تم إنشاء مملكة العراق تحت الانتداب البريطاني، مما جعل الجزء الرئيسي من المجتمع الأيزيدي بما فيها معبدهم لالش تحت حكم المملكة العراقية. وأصبح الوضع الأيزيدي أفضل بكثير مما كان عليه في عهد الدولة العثمانية، لأنهم تمتعوا ببعض حقوقهم الدينية، في حين استمرت حقوقهم السياسية في تجاهلها المستمر في العراق حتى العقد الأخير من الحكم الملكي. كما ان تأسيس هذه الدول أثر بشدة على المجتمع الأيزيدي، وكان التأثير الأكثر وضوحاً هو أن الإيزيديين انقسموا بين العديد من هذه الدول الحديثة وتمزق المجتمع الأيزيدي اكثر من اي فترة سابقة.
المهم في الامر، ناضل الشعب الكوردي من اجل حقوقه القومية كما اشرنا اليه انفاً، وأولى محاولات الإيزيديين للاتصال بحركة التحرير الكوردية تعود إلى الأربعينيات من القرن العشرين كما يؤكد مسعود بارزاني في كتابه البارزاني والحركة التحررية الكوردية، عندما حاولت ميان خاتون، ابنة الامير عبدي والوصية على عرش الامارة الأيزيدية، الاتصال بالملا مصطفى البارزاني، زعيم حركة التحرير الكوردية وقتذاك. وهي كانت على استعداد لتشجيع العلاقات الودية مع قيادة الحركة الكوردية. ووفقا لكتاب مكتوب بخط اليد بتاريخ 22 يونيو 1945، لم تتمكن ميان خاتون من مقابلة البارزاني شخصياً بسبب كبر سنها. لذلك، كانت مستعدة لإرسال أحد رعاياها نيابة عنها، ولكن يبدو أن ميان خاتون لم تتلق أي رد من البارزاني. وعند تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني في سنة 1946، بدأ الحزب في نشر وتعزيز الشعور القومي الكوردي بين جميع فئات المجتمع الكوردستاني، بما في ذلك الإيزيديين، وحاول إقناعهم بالانضمام الى صفوفه. وبناءً على ذلك، بدأت العلاقات الأيزيدية مع الحركة القومية الكوردية تدريجياً في تعزيز، وزادت أعدادهم في عضوية الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبالتالي ساهمت بتعزيز الشعور القومي بينهم.
ومن جانب اخر، كانت المناطق التي تهيمن عليها الكثافة السكانية الإيزيدية من ضمن المناطق الكوردستانية التي ناضل الشعب الكوردستاني من اجلها كغيرها من المناطق الكوردستانية. وحسب احد الوثائق التي نشرتها الجامعة الأميركية في بيروت سنة 1965، ان الملا مصطفى البارزاني أكد في مناسبات عديدة أن الإيزيديين جزء لا يتجزأ من الشعب الكوردي، وأن المناطق التي يسكنها الإيزيديون كانت جزءاً من أراضي كوردستان. تأكيدا على ما سبق، في عام 1965، أرسل الملا مصطفى البارزاني مذكرة إلى الحكومة العراقية بشأن الحقوق القومية الكوردية في العراق، أكد فيها البارزاني أن جميع المناطق الأيزيدية في سنجار وشيخان ودهوك يجب أن تدرج ضمن مناطق الحكم الذاتي الذي يدعى بأنه كوردستان وكحل امثل للقضية الكوردية في العراق.
مهما يكن في الامر، مع سقوط النظام الملكي في عام 1958، دخل العراق مرحلة تاريخية جديدة تسمى العصر الجمهوري. وخلال هذه الفترة، اشتدت الحركات والثورات الكردية ضد الحكومة المركزية العراقية، مما أثر سلبا على أوضاع الإيزيديين الذين ما زالوا يعانون من سياسات التهميش والتمييز وذلك بسبب الهوية الأثنية ومساهمة الإيزيديين في الحركة التحررية الكوردية، على عكس المراحل التاريخية السابقة حيث كان الايزيديون يتعرضون الى الاضطهاد بسب هويتم الدينة والاجتماعية.
فمنذ تأسيس المملكة العراقية، وحتى سقوط نظام البعث في عام 2003، اتبعت جميع الحكومات العراقية سياسة التعريب إلى حد ما. ولكن اشد حملات التعريب بدأت سنة 1975 وما بعدها، وابرز ممارسات سياسة التعريب كانت تدمير القرى الأيزيدية وتهجير سكانها وإعادة توطينهم قسراً في القرى الجماعية التي سميت بالمجمعات، مصادرة اراضيهم وممتلكاتهم، توطين العرب في مناطقهم، تغيير هويتهم الأثنية وتسجيلهم كعرب قسراً.
كانت الأهداف الأساسية لهذه السياسة، وخاصة فيما يتعلق بالإيزيديين، ذات شقين: لتغيير الواقع الديموغرافي للمناطق التي يسكنها الإيزيديون لصالح العرب؛ وتغيير النظرة الى الإيزيديين من الأثنية الكوردية / الأيزيدية إلى العربية. وستكون النتائج هي نفسها – تقليص أو إزالة التهديد السياسي للأقلية الأيزيدية التي كان لها صلات وثيقة مع الحركة التحررية الكوردية. ولكن في الوقت ذاته وكنتيجة غير مقصودة ادت هذه السياسة الى إنتاج مجتمع أيزيدي أكثر جماعية وتماسكاً لهوية مشتركة.
ومن ناحية اخرى، استنتج من وثائق الاستخبارات العراقية أن الإيزيديين في نظر البعثيين، كانوا في الواقع جماعة إسلامية شاذة، انشقت من المجتمع الاسلامي مع مرور الوقت، وخاصة خلال عهد الدولة العثمانية، عندما اعتبرتهم كفاراً، فتجنب الإيزيديون المجتمعات الإسلامية وعاشوا في العزلة في المناطق الجبلية والتي ادت بدورها الى رجوع الإيزيديين الى معتقدهم القديم الذي سبق الاسلام. لذلك شجع وروج البعثيون فكرة رجوع اصل الإيزيديين الى العرب، حيث حاول ربط الجذور الدينية الإيزيدية إلى الخلافة الأموية في القرنين السابع والثامن الميلاديين، وربط اسم الإيزيدية بـ “يزيد بن معاوية” خليفة الأمويين وذلك لتسهيل مهمة القضاء على هويتهم الكوردية تحويلهم الى عرب.
هكذا مر الإيزيديون مراحل قاسية ساد عليها تشويه هوياتهم الاجتماعية والدينية والأثنية، إلا انهم ورغم المصاعب ودفع الثمن باهضاً كافحوا من اجل البقاء وتمكنوا فعلا من الحفاظ على هوياتهم طيلة تلك الفترات. ونتيجة للانتفاضة الكوردية في عام 1991، تم تحرير جزء من إقليم كردستان العراق، بما في ذلك جزء صغير من المناطق التي يسكنها الأيزيدية في منطقتي دهوك وشيخان، من النظام البعثي، ونتيجة لذلك، فإن الإيزيديين تمتعوا بالعديد من حقوقهم الدينية والثقافية في تلك الرقعة المحررة. ورغم غياب العدالة الاجتماعية اعتقد الإيزيديون ان مراحل الظلم قد انتهت ولا يمكن ان يعاد التاريخ المأساوي عليهم مجدداً وسوف يتمتعون بحقوقهم اسوة بالأخرين.
وعلى الصعيد السياسي ايضاً، خلال الفترة من 1991 إلى 2003، كانت المعارضة العراقية تستعد لنظام ما بعد البعث وذلك بعقد اجتماعات ومؤتمرات داخل وخارج العراق. فعلى المستوى الرسمي، بدأ الإيزيديون العمل على ضمان حقوقهم في إقليم كردستان وفي العراق الجديد ما بعد صدام. ولكن الإيزيديون لم يكن لديهم صوت سياسي موحد أو وزن سياسي في هذه المرحلة، وبالتالي فإن الإيزيديين كانوا ينتظرون عادة المساعدة من الفصائل السياسية الأخرى لدعم مطالبهم، وهذا في الوقت الذي يسعى فيها كل فصيل سياسي إلى تحقيق أهدافه ومصالحه. ونتيجة لذلك، كانت تلك الجماعات السياسية تنظر عادة إلى الحقوق الأيزيدية من منظور مصالحها السياسية.
وأصبح الجزء الرئيسي من مسؤولية ومساعدة الإيزيديين مهمة كوردية وبالذات الحزب الديمقراطي الكوردستاني وزعيمها مسعود البارزاني. وفي بغداد رفضت الفصائل العربية (وخاصة القوميين منهم) مرات عديدة مطالب الإيزيدية فيما يتعلق بحقوقهم السياسية. والأهم من ذلك أن السياسيين الشيعة الذين لم يدعموا الإيزيديين في البداية قد خففوا من معارضتهم تدريجياً، وأن سلطة الائتلاف المؤقتة التي تقودها الولايات المتحدة لعبت دوراً حاسماً في إرساء حقوق جميع العراقيين في العراق بعد عام 2003، والتي اكدت على ان الحقوق السياسية الإيزيدية مرتبطة بالحقوق الكوردية، وعلى الإيزيديين مطالبة حقوقهم السياسية من رئيس اقليم كوردستان مسعود البارزاني.
ومهما كانت الأسباب وراء الدعم الكوردي للحقوق الأيزيدية، فقد ساعدت الإيزيديين وأسهمت كثيراً في ضمان حقوقهم. ويبدو أيضاً أن الإيزيديين ليس لديهم خيارات أخرى لطلب الدعم السياسي؛ لذلك طلبوا عادة المساعدة من القيادة الكوردستانية، ولا سيما مسعود البارزاني فيما يخص حقوقهم في العراق. فإن الفصيل الكوردستاني تحت قيادة مسعود البارزاني أيدت وبقوة المطالب الإيزيدية، وبفضل هذه المساندة تم الاعتراف بالكثير من حقوق الإيزيديين كمكون ديني مستقل كما اكده الدستور العراقي لسنة 2005 بالاسم. وبشكل عام تم تناول الحقوق الأيزيدية في الدستور العراقي الدائم في سياق استراتيجية السياسية الكوردية. وقد ضمنت أحكام الدستور الدائم لعام 2005 معظم المطالب الأيزيدية فيما يتعلق بحقوقهم كأقلية دينية في العراق، في حين حددت في الوقت نفسه الإيزيديين ككورد في الأصل العرقي.
ومن ناحية اخرى، ابتداءً من عام 1991 وخاصة بعد عام 2003، أصبحت “الأسلمة – التطرف الديني” أكثر انتشاراً في إقليم كردستان وفي العراق ككل مما اثرت سلبا على التسامح بين اطياف الشعب الكوردستاني. حسب اعتقادي كانت الأسلمة مرتبطة باستراتيجية سياسية للكورد وصراعهم السياسي مع العرب السنة. لذلك اصبحت العلاقات الأيزيدية الاجتماعية مع المسلمين في العراق أسوأ عموماً بعد تحرير العراق عام 2003.
هكذا وطوال تاريخهم بدءاً من القرن السابع حتى الآن ، فقد خضع الإيزيديون للحكم الإسلامي من أنظمة مختلفة، ومروا بفترات من التهميش والاضطهاد. وكان الحقيقة الشائعة في جميع تلك العصور أن الإيزيديين لم يكن لديهم حقوق متساوية في المواطنة. ولم تعترف جميع السلطات الإسلامية تقريبا بالأيزيدية كديانة مستقلة أو جماعة أو حتى طائفة، والاعتراف كان من شأنه أن يرافقه بعض الحقوق والامتيازات. لذلك، فإن السبب الرئيسي لهذه الاضطهاد هو الهوية الاجتماعية والدينية للإيزيديين. وكانت الهوية الأثنية الأيزيدية سبباً آخر بعد إنشاء الدول القومية الحديثة. بناءاً على ما سبق، استنتج أن الإيزيديين اليوم يحملون هويات متعددة، واحد هويتهم العرقية كونها كورد؛ والآخر هو الهوية الاجتماعية والدينية للإيزيديين مما يجعل لهم خصوصيتهم داخل المجتمع الكوردستاني.
والجدير بالذكر، لعبت عوامل الاضطهاد السياسي والتاريخي دوراً حاسماً في طبيعة بناء الهوية الأيزيدية. وقد عزز التاريخ الإيزيدي المشترك للاضطهاد الشعور القوي لدى الإيزيديين بأنهم مجتمع يعيش تحت تهديد دائم، ودفعهم إلى البقاء في العزلة والتمسك بهويتهم الاجتماعية والدينية اكثر من اي هوية اخرى.
كما يجب ان لا ننسى، انه بحسب وجهة نظر المسلمين المتطرفين والمتشددين وحتى يومنا هذا، فإن الإيزيديين هم كفار وغير مؤمنين، ويؤكدون مراراً إن قتلهم “حلال” (معاقب عليه بموجب الشريعة الإسلامية). لذلك، فإن مشكلة الإيزيديين الأساسية هي مع المجتمع الإسلامي وهم الاغلبية التي لا تحترم ولا تعترف بحقوق الاقليات في مجتمعاتهم، وليس مع الأحزاب العلمانية أو السلطات الحكومية في العراق وفي إقليم كردستان. لذلك، فإن الآفاق المستقبلية للأيزيديين والأقليات الأخرى تعتمد اعتماداً كبيراً على طبيعة النظام السياسي في كوردستان المستقل القادم – سواء كان ذلك قائماً على الشريعة الإسلامية أو الدستور العلماني الذي يمنح حقوقا متساوية لجميع المواطنين.
كما ان كوردستان هو بلد متعدد الجماعات العرقية والدينية. فحسب اعتقادي ليس من الممكن معالجة حقوق كل أقلية أثنية ودينية بالاسم وتتوافق مع تقاليدها ومعتقداتها في الدستور الكوردستاني كما تبنت عليه الدستور العراقي لعام 2005. لذلك، فإن أفضل حل للإيزيديين والأقليات الأخرى في كوردستان هو الحكم العلماني والديمقراطي القائم على الدستور العلماني الذي تنفذه الحكومة بقوة ويدعمه السكان، والذي يحترم حقوق جميع المواطنين بغض النظر عن هوياتهم أو اديانهم، وما إلى ذلك.
اخيرا وليس اخراَ، هناك بقع سوداء في تاريخ جميع شعوب العالم، كما لا يخلو تاريخ الشعب الكوردي من هذه البقع والتي هي بحاجة الى مراجعة ومصالحة تاريخية من اجل اعادة الثقة الى الفرد الكوردستاني ويطمانه بانه مواطن حقوقه مضمونة بغض النظر عن هويته او عرقه او دينه، ويؤكد للجميع بانه لا يمكن التجاوز على حقوقهم او اعادة التاريخ المأساوي مرة اخرى. ومن اجل كوردستان افضل تسوده المساواة والتسامح الديني والعيش الكريم لجميع اطياف الشعب الكوردستاني، فمن الضروري ان تقوم حكومة كوردستان الى تقديم اعتذار رسمي للإيزيديين وغيرها من الاقليات على ما اقترفه الكورد المسلمين ومساهمتهم في حملات الابادة بحق هذه الاقليات خلال المراحل التاريخية السابقة، وخاصة خلال العهد العثماني. كما فعلت المانيا بتقديم اعتذار الى اليهود بما اقترفه الحزب النازي بحقهم من المجازر والانتهاكات.
بناءاَ على ما سبق، ارى ان مصلحة الايزيديين تكمن في ضمان بقاء مناطقهم ضمن المناطق الكوردستانية. مما لا شك فيه ان وقوع جميع المناطق التي يسكنها اكثرية ايزيدية ضمن الحكم الكوردستاني تصب في مصلحة الايزيديين وسوف يشكل لهم ثقل سياسي قد يلعبون دوراً مهماً في الساحة السياسية الكوردستانية في المستقبل القريب مما يسهل لهم ضمان حقوقهم الدينية والثقافية والمدنية بشكل افضل، كما انها محاولة للتغلب على التاريخ المأساوي الذي مر به الايزيديون خلال الفترات التاريخية الماضية.

[email protected]

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Copyright © 2016 by Lalish Media Network .   Developed by Ayman Qaidi.