أكتوبر 17, 2017

Lalish Media Network

صحيفة إلكترونية يومية تصدر باشراف الهيئة العليا لمركز لالش الثقافي والاجتماعي في دهوك - كوردستان العراق

د.عبدالخالق حسين: أغراض القصف الأمريكي لسوريا

أغراض القصف الأمريكي لسوريا

د.عبدالخالق حسين

قيل الكثير عن أغراض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من قصفه لسوريا فجر يوم الجمعة 7 نيسان/أبريل 2017. فما أعلنه هو أنه تأثر بمشهد طفل رضيع وهو يموت بسبب الغازات السامة التي أتهم بها بشار الأسد في ضرب مستودع للمعارضة في خان شيخون، والتي راح ضحيتها 89 شخصاً بينهم أطفال، بينما القصف الجوي الأمريكي لمطار الشعيرات في حمص، الذي أدعى ترامب أن الأسلحة الكيمياوية خرجت منه، قتل أربعة أطفال، إلى جانب خمسة جنود، ولا أدري ما الفرق في قتل الأطفال، سواءً كان بالسلاح الكيمياوي أو التقليدي. في حين أكدت وزارة الدفاع الروسية إن الطائرات السورية شنت هجوما في المنطقة على مستودع تصنع فيها جماعة مسلحة سورية أسلحة بمواد سامة للاستخدام في العراق. وفعلاً استخدم الكيمياوي في الموصل من قبل داعش ضد القوات العراقية.

هناك عدة أغراض لترامب في قصف سوريا:

أولاً، استعادة سمعته في أمريكا بعد أن هبطت شعبيته إلى الحضيض بسبب ما أشيع عن علاقاته التجارية الودية السابقة مع موسكو، وتودده إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حيث مدحه مراراً إثناء حملته الانتخابية، و وعد بأنه مستعد للعمل معه في سبيل القضاء على الإرهاب الإسلامي والمصالح المشتركة الأخرى…الخ، وهذا محرم (تابو) في التقاليد الغربية. كذلك الضجة التي أثيرت حول أكذوبة تدخل موسكو في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لصالح ترامب ضد منافسته هيلاري كلينتون.

فهذا الانفتاح على موسكو هو خروج على المألوف والثوابت الغربية الداعية إلى التوتر في العلاقة، لذلك فقد أساء ترامب إلى سمعته لدى المؤسسة الأمريكية المتحكمة، و لدى حلفاء أمريكا في الخارج، وخاصة دول حلف الأطلسي (NATO). فالمعروف أن الغرب حافظ على وحدته وأمنه خلال أكثر من 70 سنة الماضية عن طريق خلق عدو وهمي مشترك، كما كان في زمن الحرب الباردة حيث اتخذوا من الاتحاد السوفيتي البعبع الذي يهدد أمن ورفاه الغرب. وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي خلقوا الإرهاب الإسلامي، والإسلاموفوبيا كعدو مشترك، إلى أن وصلت شروره إلى دولهم، وهي ما يسمى بـ(العواقب غير المقصودة). لذلك تم العزم القضاء على الإرهاب الإسلامي، وإيجاد عدو مشترك جديد، وهو روسيا رغم أنها تخلصت من الشيوعية وتبنت النظام الديمقراطي الرأسمالي.

ثانياً، وعد ترامب لحد وقت قريب بالعمل مع الرئيس السوري بشار الأسد ولنفس الغرض، أي (القضاء على الإرهاب)، بينما السياسة الغربية الموالية للسعودية والدول الخليجية الأخرى، تقضي بإسقاط الأسد بأي ثمن. لذلك تمت فبركة السلاح الكيمياوي لإقناع ترامب بتغيير موقفه من الأسد و بوتين الذي يدعم الأسد، وإلقاء تهمة الكيمياوي على الجيش السوري لاتخاذها ذريعة لقصف سوريا.

ثالثاً، إن القصف الأمريكي لسوريا هو بمثابة رسالة إنذار إلى بوتين وإيران وكوريا الشمالية وكل العالم بأن ترامب شديد المراس، وزعيم جاد ومتشدد، ومستعد لخوض حرب حتى مع روسيا. و ليثبت للشعب الأمريكي، ولحلفائه في العالم أنه ليس صديقاً لموسكو، وأنه لم يخرج على سياسة الغرب التقليدية في معاداة روسيا.

رابعاً، وكما ذكرناً مراراً، أنه رغم مساعي أمريكا وقيادتها لتحالف دولي للقضاء على المنظمات الإرهابية، إلا إنها لا تريد القضاء عليها نهائياً، بل تجعلها ضعيفة يمكن السيطرة عليها واستخدامها مستقبلاً لابتزاز أية حكومة ترفض الطاعة والموالاة لأمريكا. لذلك ما أن تأكد أن الحكومة السورية المتحالفة مع روسيا وإيران على وشك القضاء على الإرهاب، حتى وخلقوا لعبة الكيمياوي لاتخاذها ذريعة لإجهاض النصر النهائي على الإرهاب.

أما في العراق، حيث النصر على الإرهاب بات وشيكاً، فمن الآن بدأ الذين رفعوا شعار التهميش، وجلبوا الدواعش إلى مناطقهم، يتوعدون الحكومة العراقية المركزية أنها إذا لم تستجب لمطالبهم فإن ما سيحصل ما بعد داعش هو أشد وأنكى من داعش. وهذا يعني أنهم قد أحضروا مخططاً آخر، وعلى الأغلب باسم تنظيم آخر لإعادة السيناريو السابق الذي سلموا به الموصل يوم 10 حزيران 2014، وغيرها من المناطق الغربية، وربما بشكل أبشع ما لم ينجح العبادي في كسب أمريكا إلى جانبه.

والجدير بالذكر أن تسابقت الدول الحليفة لأمريكا وخاصة السعودية وبقية الدول الخليجية في تقديم التهاني إلى ترامب بهذه االضربة، وابتهاج المعارضة السورية “المعتدلة” وغير المعتدلة، وطلبها بتوجيه المزيد من الضربات.

كذلك استقبلت دول الحلف الأطلسي ومجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى (G7) هذه الضربة بفرح وارتياح، إذ وجدت فيها عودة ترامب “الإبن الضال الخارج من المؤسسة المتحكمة” إلى مكانه الصحيح، إلى السياسة الغربية التقليدية في معاداة سوريا و روسيا، ودعم حلف الأطلسي الذي قال عنه في حملته الانتخابية أنه فات أوانه وانتهى مفعوله، لذلك سارع وزراء خارجية مجموعة الدول السبع الكبرى التي تضم كلا من كندا وفرنسا والمانيا وايطاليا واليابان وبريطانيا والولايات المتحدة إضافة إلى ممثل عن الاتحاد الأوروبي، في عقد مؤتمر في توسكاني/ ايطاليا، لدعم الضربة، واتخاذ موقف موحد من روسيا وسوريا، والعمل على إزاحة بشار الأسد من الحكم، ودعم وزير خارجية أمريكا في مباحثاته التي ستجرى اليوم (الأربعاء 12 نيسان الجاري)، مع موسكو لإقناع الرئيس الروسي بالتخلي عن الرئيس السوري بشار الأسد، وإلا سيواجه حزمة جديدة من العقوبات الاقتصادية التي اقترحها وزير خارجية بريطانيا. وقد شذ وزير خارجية إيطاليا عن بقية زملائه في الموقف من الأسد، إذ حذر أن إسقاطه سيعيد السيناريو الليبي بعد مقتل القذافي، حيث دفعت إيطاليا الثمن الباهظ في استقبال موجات اللاجئين من ليبيا وأفريقيا. كما ورفض المؤتمر الطلب البريطاني بفرض عقوبات اقتصادية على كل من روسيا وسوريا.

 

فرغم كل هذا الترحيب الرسمي الغربي بالقصف الأمريكي لسورية، هناك أصوات عاقلة في الغرب ضد هذا العدوان، من بينها على سبيل المثال، انتقاد زعيم حزب العمال البريطاني (جرمي كوربين) للضربة الأمريكية بدون التأكد من مصدر السلاح الكيمياوي، وموافقة الأمم المتحدة. بل وحتى اعضاء في الكونغرس الامريكي بينهم مرشحان سابقان للرئاسة، اعترضوا وقالوا أن (ترامب لا يملك تفويضا باطلاق صواريخ على سوريا)(1). كما سمعتُ صباح يوم 11 نيسان الجاري، من إذاعة البي بي سي، تصريحاً من سفير أمريكي سابق لدى حلف الأطلسي، حذر فيه من مغبة إسقاط حكومة بشار الأسد لأن إسقاطه سيترك فراغاً أمنياً يملأه الإرهابيون المتعطشون للدماء، وسيقومون بعمليات انتقامية من الأقليات الدينية، وحتى فيما بين التنظيمات الإرهابية والمعارضة المعتدلة. وأكد أن الخطر الأكبر على أمن المنطقة ليس من النظام السوري، ولا من إيران، بل من السعودية. كذلك أدان سفير بريطاني سابق في لقاء تلفزيوني القصف، و نفى أن يكون الأسد وراء السلاح الكيمياوي(2).

أما الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، فقد قال في مؤتمر صحفي عقده يوم (الثلاثاء، 11نيسان)، إن أعداء الرئيس السوري، بشار الأسد، يعتزمون شن هجمات كيمياوية في المستقبل لتشويه سمعة الحكومة السورية. وأن لدى بلاده معلومات بأن الولايات المتحدة تخطط لشن ضربات صاروخية جديدة على سوريا.(3)

إلا إن المشكلة الرئيسية التي تواجهها أمريكا وحلفاؤها هي أنه من المستحيل أن يتخلى بوتين عن الأسد، لأن بوتين يعرف أنه ليس الأسد وحده المستهدف من هذا الصراع الدموي في الشرق الأوسط، بل المستهدف الحقيقي هو روسيا. كذلك ليس الرئيس بوتين وحده الذي يدعم الأسد، بل هناك إيران وحزب الله، وحتى مليشيات عراقية تحارب مع الجيش السوري ضد الإرهابيين. لذلك فقرارات مؤتمر الدول السبع (G7) في إيطاليا، وعلى رأسها إقناع بوتين بالتخلي عن الأسد، من المستحيل تنفيذها.(4)

وتحدياً للعدوان الأمريكي على سوريا، صدر (بيان روسي إيراني يتوعد بالرد على الهجوم الأميركي على سوريا) جاء فيه: “أكدت غرفة العمليات المشتركة لقوات الحلفاء (روسيا وإيران والقوات الرديفة) في سوريا، أن العدوان الأميركي على سوريا تجاوز واعتداء على سيادة الشعب والدولة وأن سوريا تحارب الإرهاب المتعدد الجنسيات منذ ست سنوات نيابة عن العالم”.(5)

ونتيجة لهذا الصمود في وجه أمريكا، وتجنباً للصدام المسلح المباشر مع روسيا، صرحت الإدارة الأمريكية بأنها لا ترغب في إعادة القصف ما لم تستخدم الحكومة السورية الكيمياوي ثانية. ولكن المشكلة هنا، طالما من السهل فبركة لعبة الكيمياوي في السابق، فمن الممكن إعادتها متى ما شاءت التنظيمات الإرهابية، والحكومات الراعية لها لاتخاذها ذريعة لعودة القصف الأمريكي على سورية.  

والسؤال المهم هو، هل حقاً لا تعرف قادة مجموعة الدول السبع الكبرى وعلى رأسها أمريكا، مغبة إسقاط الأسد وما سيتركه من فراغ أمني وسياسي يفسح المجال لهيمنة داعش وجبهة النصر على السلطة في سوريا وما سيحصل من مجازر الإبادة للشعب السوري، وعدم استقرار دول المنطقة، بما فيها الدول الخليجية وتركيا التي تعمل في هذا الاتجاه؟

الجواب في رأيي واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، فقادة دول المجموعة الكبرى ليسوا من السذاجة والغباء إلى هذا الحد، بل هم دهاقنة السياسة، ومحاطون بجيوش من الخبراء والأكاديميين من الاختصاصيين في تقديم المشورة لهم، ولا يمكن يرتكبوا هذه الأخطاء الفادحة دون مقاصد خبيثة ولئيمة وحسابات دقيقة ذات أهداف بعيدة. فالقصد من هذه السياسة، وكما ذكرناه في مقالنا السابق(6)، هو تدمير دول المنطقة (العربية وإيران)، التي ترفض المصالحة مع إسرائيل.

فإسرائيل تحكم أمريكا من خلال أكبر لوبي لها في واشنطن (أيباك)، إذ لا يمكن لأي مرشح للرئاسة، أو الكنغرس، أو مجلس الشيوخ، أو حاكم ولاية، أن يفوز ما لم يتعهد بدعم إسرائيل. وبما أن أمريكا تحكم العالم، لذلك فإسرائيل تحكم العالم من خلال أمريكا.

****

ملاحظة: قد يسأل سائل: لماذا نؤيد أمريكا في العراق ونعارضها في سوريا؟

سنجيب على هذا السؤال في مقالنا القادم

[email protected] 

http://www.abdulkhaliqhussein.nl/

ـــــــــــــــــــ

روابط ذات صلة

1- اعضاء في الكونغرس الامريكي: ترامب لايملك تفويضا باطلاق صواريخ على سوريا

http://almaalomah.info/2017/04/11/world/146627

2- فيديو: تصريحات سفير بريطاني سابق ينفي أن يكون الأسد وراء السلاح الكيمياوي

Ex-UK Ambassador: Assad wasn’t behind the chemical attack

https://www.youtube.com/watch?v=pS6Oa_aDS6E&sns=em

 

3- بوتين: أعداء الأسد يدبرون هجمات كيمياوية لتشويه سمعة الحكومة السورية

http://www.bbc.com/arabic/world-39564575

 

4- Patrick Cockburn: Syria crisis: G7 leaders couldn’t change Vladimir Putin’s mind on backing Assad – even if they wanted to Russia now relies on Syria for its new status as a great world power – and the West knows the risks of leaving a power vacuum in the Middle East. It is very unlikely that Russia will change its support for President Bashar al-Assad of Syria, despite calls to do so from foreign ministers from the G7 nations gathered in Italy in the aftermath of the use of poison gas in Syria and the US missile strikes.

http://www.independent.co.uk/news/world/middle-east/syria-news-crisis-bombing-putin-assad-regime-russia-support-g7-a7677196.html

5- بيان روسي إيراني يتوعد بالرد على الهجوم الأميركي على سوريا

https://arabic.sputniknews.com/arab_world/201704091023357847-%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%A7-

6- د.عبدالخالق حسين: الهجوم الأمريكي على سوريا إلى أين؟

http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=895

 

7- ثلاث صور لطفلة فى اماكن وثلاث منقذين فى حادثة خان شيخون المفتعلة

http://www.arabtimes.com/portal/news/00023835.JPG

 

 

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Copyright © 2016 by Lalish Media Network .   Developed by Ayman Qaidi.